احمد الناصر الأحمد بين الذاكرة وقلق المعنى . أ عبدالله الوابلي . مجلة اليمامة
أحمد الناصر الأحمد
بين الذاكرة وقلق المعنى.
كتب .عبدالله بن محمد الوابلي
مجلة اليمامة . 26 ابريل 2026
.
يُعدّ الشعر أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني اضطرابًا وثراءً، إذ ظلّ عبر العصور مجالًا لاختلاف الرؤى وتباين المواقف. فقد نظر إليه أفلاطون بوصفه فنًا جميلًا لكنه خطر على الحقيقة والعقل، بينما خالفه تلميذه أرسطو مؤكدًا أن الشعر ليس كذبًا، بل سبيل أعمق لفهم الإنسان. أما فريدريك نيتشه فقد رأى فيه ضرورة وجودية، إذ اعتبره إنقاذًا للحياة من الجفاف. وفي ديوان الشعر العربي، برز شعراء غاصوا في أعماق التجربة، يبحثون عن لآلئ المعنى، بينما اكتفى آخرون بالوقوف على الشواطئ. وعلى مسرح الشعر المحلي، ظهرت أسماء استطاعت أن ترسّخ حضورها، لا من خلال الظهور الإعلامي فحسب، بل عبر مشروع إبداعي متكامل يجمع بين الشعر والإعلام والوعي بالتراث. ومن بين هذه الأسماء، يبرز الشاعر أحمد الناصر الأحمد بوصفه صوتًا استطاع أن يحوّل التجربة الإنسانية إلى نص شعري نابض بالدلالة. وُلد «أبو عادل» أحمد الناصر الأحمد في مدينة بريدة بمنطقة القصيم، حيث تلعب البيئة دورًا عميقًا في تشكيل الوعي واللغة والصورة الشعرية. وفي تلك البيئة تشكّلت ملامح شاعر يكتب من داخل السياق، لا من خارجه، ومن قلب التفاصيل اليومية التي تمنح النص صدقه وحرارته. لم تكن طفولة الأحمد مرحلة عابرة، بل كانت المنبع الأول لخياله الشعري. ففي حي الجنوب بمدينة بريدة، حيث الأزقة القديمة والبيوت الطينية والليالي المقمرة التي تُروى فيها الحكايات، بدأ صوته يتشكّل. كان يصدح بالأغاني الشعبية بين أقرانه، حتى لُقّب بـ«عندليب الحي»، في إشارة مبكرة إلى موهبة أخذت طريقها لاحقًا نحو مشروع شعري ناضج. يُعدّ الأحمد من الشعراء القلائل الذين نجحوا في الجمع بين الشعر الشعبي والفصيح دون أن يفقدوا خصوصيتهم أو يفرّطوا في هويتهم. ولم يكن هذا التوازن سهلًا، بل جاء نتيجة وعي عميق بتحولات الشعر في العصر الحديث. وقد برز حضوره بشكل لافت في القصيدة الشعبية الحديثة، حيث يُعد من الأصوات التي أسهمت في تجديدها، عبر تطوير بنيتها وإدخال مضامين جديدة، دون الانقطاع عن الجذور. وإذا كان لكل شاعر بصمته، فإن التراث يشكّل قلب التجربة لدى الأحمد. فهو لا يتعامل معه بوصفه مادة للحنين أو البكاء على الأطلال، بل بوصفه طاقة حية ومصدرًا لإعادة إنتاج المعنى. وتظهر هذه النزعة في عدد من قصائده مثل «كنا ببيوت شعبية» و«حارة ربيشة» و«ألعاب الأولين»، وهي نصوص جمعها في ديوان «حديث الطين». وفيها لا يكتفي باستحضار الماضي، بل يعيد تشكيله شعريًا، كأنما يؤكد أن التراث ليس ما مضى، بل ما يمكن إعادة قراءته وتأويله. إلى جانب ذلك، يكتب الأحمد قصائد وجدانية تكشف عن حساسية عالية تجاه التجربة الإنسانية. ففي دواوين مثل «الأسوار» و«مطر وعطر»، نجد شاعرًا ينشغل بأسئلة الحب والقلق والانتظار والانكسار، بلغة تتراوح بين الشفافية والعمق. وتأتي عناوين مثل «سدرة القلب» و«قطعة السكر» و«لهفة الشوق» بوصفها مفاتيح لعالم داخلي غني، يكشف عن شاعر لا يكتفي بوصف الخارج، بل يغوص في الداخل الإنساني. ولم يقتصر حضور الأحمد على الشعر، بل امتد إلى المجال الإعلامي، حيث كتب في عدد من الصحف والمجلات السعودية والعربية، وأسهم في تحرير صفحات ثقافية، من أبرزها «حقول السنابل». كما شكّل حضوره الإعلامي امتدادًا طبيعيًا لمشروعه الشعري، ومنصة للتفاعل مع القارئ وتوسيع دائرة التأثير. ومن الجوانب اللافتة في تجربته اهتمامه بثقافة الطفل، إذ كتب أكثر من سبعين أنشودة تلفزيونية، وأسهم في إعداد برامج موجهة للأطفال عبر تلفزيون القصيم. ويعكس هذا التوجه وعيًا مبكرًا بأهمية بناء الذائقة الجمالية لدى الأجيال، وتقديم محتوى يجمع بين القيمة التربوية والجودة الفنية. على الرغم من ارتباط الأحمد العميق ببيئته المحلية، فإن نصوصه تتجاوز حدود المكان، لتلامس الإنسان في أبعاده الواسعة. فهو شاعر ينطلق من القصيم، لكنه يكتب للإنسان أينما كان، وقد أسهم في ذلك حضوره الإعلامي ومشاركاته في الأمسيات والملتقيات الأدبية. إضافة إلى ذلك يمتلك رصيدًا متنوعًا من الإصدارات، بين الشعر والمقال والنقد، من أبرزها: «حديث الطين»، و«الأسوار»، و«مطر وعطر»، و«امتداد»، و«أحمديات»، و«نوافذ». وكل هذا التنوع يعكس طبيعة مشروعه الثقافي، الذي لا ينحصر في جنس أدبي واحد، بل يتوزع على مساحات متعددة من الإبداع. كما كان عضوًا مؤسسًا لجمعية الثقافة والفنون بالقصيم، وأسهم في تنظيم الفعاليات الأدبية، وترأس وفد المنطقة في مهرجان الجنادرية لعدة سنوات، وفي كل هذا مؤشر واضح على حضوره الثقافي الفاعل. هذا ولا يمكن قراءة تجربة الأحمد دون التوقف عند رؤيته للشعر ذاته، إذ يقول: «الشعر في حقيقته أسئلة تبحث عن إجابات، ومتى ما أصبح إجابات، تخلى عن جوهره وتحول إلى خطاب تقريري». كما يرى أن «الشعر والحب قيمتان أسطوريتان، ومحاولة تعريفهما ضرب من العبث». وهي رؤية تؤكد انحيازه إلى الشعر بوصفه حالة إنسانية مفتوحة، لا خطابًا جاهزًا. ومع ذلك، فإن هذه النزعة التأملية العميقة قد تميل أحيانًا إلى قدر من المباشرة في بعض النصوص، خصوصًا حين يقترب من الوجدان الإنساني المباشر، وهو ما لا ينتقص من تجربته، بقدر ما يعكس اتساعها وتنوع مستوياتها التعبيرية. في الختام، لا يبدو أحمد الناصر الأحمد مجرد شاعر يكتفي بإلقاء قصائده، بل مشروعًا أدبيًا متكاملًا، يجمع بين الشعر والإعلام والعمل الثقافي، ويمنح التراث والطفولة عناية خاصة. إنه شاعر يسعى لأن يكون ذاكرة ممتدة، وجسرًا بين الماضي والحاضر، وصوتًا يعيد طرح الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات. وفي خِضَم التحولات الحياتية الحادة، يبقى هذا النوع من الشعراء ضرورة إنسانية مُلِحَّة، لأنهم يذكّروننا بأن الإبداع الحقيقي ليس في امتلاك الجذور فحسب، بل في القدرة على إحيائها وإعادة إنطاقها.

تعليقات
إرسال تعليق