( قراءات نقدية ) لبعض قصائد الشاعر احمد الناصر الأحمد . الجزء الأول

 


            قراءات نقدية
             الجزء الأول
        احمد الناصر الأحمد

إضاءة
الجزء الأول من هذه الإصدار يتضمن إضاءات نقدية على بعض قصائدي … قصائد فاضت بها القريحة وصاغها الوجدان، تحمل تجربة الحياة وهمس الفكر. لكنها لم تكن لتتجلّى بهذا النور إلا بفضل نقاد أضاءوا السطور برؤاهم، وشاركوا في إظهار جمال النصوص وعمقها، فلهم جميعًا جزيل الشكر وعظيم الامتنان.
لقد جعلوا من القراءة رحلة، ومن النقد مشاركة حية، تنير المعنى وتكشف عن روح النص، يلتقي في هذا الإصدار صدق الإبداع وبصيرة من فهم العمل وأضاءه، ليصبح نافذة متكاملة على الروح والفكر، حيث يلتقي الإحساس بالمعنى، والخيال بالتأمل.
لكل هؤلاء الكتاب الأوفياء، كل الامتنان، فقد أضفوا إليها الحياة، وجعلوا منها تجربة حقيقية للقارئ، تمزج بين الكلمة والروح،  والإبداع والتأمل.
.
.
(الأسوار).. محاولة واعية لتحطيم الأسوار.
من عرائش الضوء يتقاطر عسل الكلمات
رؤية : إبراهيم السمحان 

 إضاءة:مدخل:
ما أصعب أن تكتب عن تاريخ هو أنت، وأن تتحسس نبضاً هو نبضك، وأن تتعرف على واقع هو واقعك, كيف لك أن تبحث عنك فيك دون أن تقبض على نفسك وتصطدم بتفاصيلك، مهمة صعبة أن تتجرد من ذاتك لتصفها بكلمات، هي عينها الكلمات التي تشكلك وتشكلها, وبلغة هي ذاتها اللغة التي تسري في دمائكما معاً منذ أن التقيتما لأول مرة، منذ أن أخذ كل منكما بيد صاحبه فاستأنفتما الركض الحميم في ميادين كلمة آسرة تسكن كل منكما بشغف وتستوطن خزانة ذاكرتيكما بشوق.
أحمد الناصر الأحمد أو ديوان الأسوار لا فرق عندي بينهما فكلاهما ذو شخصية مختلفة وجذابة وذات تأثير واسع وكبير، فأنت لا تستطيع أن تصافح أحدهما دون أن يعلق في نفسك شيء من عبقه ودون أن تحس وأنت تهم بمغادرته بأنك قد نسيت شيئاً فتعاود المصافحة من جديد، لتكتشف بأنك قد نسيت أن تجلس فتطيل الجلوس أو تقرأ فتعيد القراءة. ثمة صداقة حميمية تربطني بالأسوار فقد عايشت معظم قصائده وشاهدتها وهي تتشكل على الورق، لا, بل ربما وهي تتخلق في نفس وحس ووجدان شاعرها، وللقيمة المتفردة لهذه التجربة كان فرحي عارماً حين صدور الديوان وها أنذا الآن في غاية السعادة أن أعبر هذا العالم المثير على مرأى منكم فأحاول أن اصف رحلتي القصيرة بكلمات أعلم يقيناً بأنها لن توفيه حقه.
1 - لماذا الأسوار بالذات؟ الشيء المؤكد هو أن اختيار هذا الاسم لم يأت اعتباطاً أو من قبيل المصادفة ومن السهل جداً تأكيد ذلك، فأنت لن تحتاج لكبير عناء بحيث تصل إلى ما تريد فالشواهد تكاد تصافحك منذ الوهلة الأولى، سواء بشكلها الصريح أو الضمني وهو اسم يحمل مبرراته الداخلية في سياقات العلاقات اللغوية للقصائد، فمن أول بيت إلى آخر بيت في الديوان نجد الشاعر يسوق وبنفس لا ينقطع معاني الضيق والتبرم تجاه كل ما يعترض مسيرته الشعرية المتطلعة دائماً نحو عوالم إبداعية واسعة لا محدودة وفي ابتداء لا نهاية له. (نهرب من الأسوار ونحب الأسوار).

2 - كل شيء في الأسوار يطفو على السطح، كل ألم، كل مرارة يتجرعها الشاعر تقلب الأرض وتزرعها شجراً (هناك بالضبط عند الشمس تلقاني / كأنك تبيني وقابل كل ما فيني)
لا مكان لمخبوء أو مضمر أو مستتر، الجميع يأخذ مكانه في المقدمة ويجلس منتصباً تحت الشمس، ومن عرائش قمة الضوء يتقاطر عسل الكلمات ليقيم الشكل اللائق به، يناديك في الفضاء الرحب الواسع أن ثمة بوابة قلبي.
(انا لامن نويت ادخل دخلت من أوسع الأبواب)،
عليك أنت أن تفعل الشيء نفسه لينفتح لك هذا الأفق ويحتضنك وبحميمية خالية من أية أوهام أو هالات رومانسية وإنما هو الصدق والشفافية والوضوح، وبهكذا رؤية يستطيع الأسوار أن يحطم الأسوار ويختط لنفسه مساراً متفرداً من سماته الرحابة والانفتاح اللذان يلبيان تطلعات الحس ويسموان مع سبحات الوجدان في فضاءات لا نهائية، مسهماً بذلك في إيجاد ذائقة حيوية ومتجددة تتساوق مع النص جنباً إلى جنب ودون أن يسعى أحدهما إلى تسييج الآخر أو فرض الوصاية عليه.

3 - وجه آخر في الأسوار يتمثل بتبنيه نظرة متوازنة ومحددة في النص الكلاسيكي يحاول من خلالها استخدام أدواته للتعبير دون السقوط في مأزق التنميط الجامد (تكرار..عمر الشعر ما صار تكرار) وبلغة لم تكن عائقاً أمام وثبات تجديدية كبيرة نجحت في إيجاد نوع من التقارب والتناغم بين الأسلوبين القديم والحديث أي أنه استطاع أن يلتقط الخيط الدقيق الذي يفصل بينهما، بحيث تأتي النصوص بكامل جدتها دون أن تفقد صلتها بسياقها وعلى نحو متناغم ومتسق تتكامل فيه الرؤية فاردة أجنحتها في كل الفضاءات مستقطبة شرائح متعددة من الأذواق مما اكسبها مزيداً من الحيوية وزاد في تواصلها الحميم مع القارئ.

4 - يكمن سر الفاعلية والتميز اللذين تتمتع بها تجربة الأحمد في عدم اتكائه كلياً على العالم الخارجي المتمثل هنا في (المرأة) وإنما يقتصر توظيف هذا العنصر لديه على كونه مثالاً مجرداً فقط (أبيك أكثر من الممكن وأبيك اكبر من التأويل / ابيك إنسان في عقله وفي رمحه حمى قومه) ليلج من خلاله لعوالم الذات المبدعة ويبرز ذلك جلياً على مستوى التكوين العميق لعمليات الرؤية والتخيل والتصور التي تنتظم الشكل والمضمون معاً لتنتج نصاً لافتاً ينطوي على ما يؤسس لأفق إبداعي جديد يستمد خصوصيته من طبيعة الرؤيا المتميزة التي صاغها إبداع هذا الشاعر من منظور يؤكد خصوصيته. 
.
.
من اوراق شاعر . مسارب الإبداع
قراءة نقدية بقلم . ابراهيم الشتوي
.
.
من أوراق شاعر بالوعي والحس الصادق .   الأحمد امتلأت نصوصه الشعرية بالحكمة والأسلوب الراقي.
ومن شموس الرقي سنجمع سويا سنا للذائقة لنتتبع مسارب الإبداع ..
ومن هنا سيكون لنا رحلة بين النور والبلور مع شاعر وتجربته لنعايشها حضورا وحبورا..
لنسلط الضوء على جزء من نصوصه ونحلق في فضاءات حرفه ومنارات رؤاه..
وموعدنا اليوم مع أحمد الناصر الأحمد الذي استطاع بإبداع متقن وكلمات آسرة ساحرة أن يستوطن القلوب في لفظ مشرق وحس صادق.. غارق بالعذوبة والبهاء.. فعندما يكتب بلا ريب يكتب بمداد يسيل إبداعا ويعشوشب نعناعا وينقش في ذاكرة الشعر معاني خالدة وتجربة واعية..
فهو يضع على هامته تاجا مرصعا بالحسن والإتقان..
يبوح لنا بعاطفة جياشة وإحساس مرهف..
فلن نستطيع حصر نصوصه في هذه الأسطر القليلة ولكن سنتجول في حدائق تجربته ورؤاه.
رئيس لجنة التراث والفنون الشعبية بفرع جمعية الثقافة والفنون بالقصيم رئيس منتدى القصيم الشعبي..

ونشرت قصائده في الصحف والمجلات السعودية وعدد من الصحف والمجلات الخليجية والعربية.
نشرت له العديد من الدراسات المتعلقة بالأدب الشعبي..
شارك في العديد من الأمسيات الشعرية..
أجريت معه العديد من اللقاءات والحوارات الصحفية.. والتلفزيونية والإذاعية..
إلى أول نبضة في قلب حبيبنا أحمد الناصر الأحمد
فهو دائما ما يهدي لنا الحنكة والحكمة في نصوصه ويرتب نظرنا للأعلى والقدوم بكل ثقة واقتدار وإن كان الخطاب في المشهد الشعري ليس موجها للمتلقي مباشرة ولكنه يعزز ذلك بأسلوبه غير المباشر مما يضفي على نصوصه بعداً آخر فلنمعن النظر في ذلك.
(وإذا نادى لك العادي على شان الرجوع افـ عي
مادامك بالطريق الصعب قدرت تثبت الجرّه
ولا تركن على بعض الشجر لوهي عطتك الفي
وشخص ما اعترض دربك فلا تفيده ولا تضره
وإذا طال الظلام وضاق دربك فالنهاية ضي
قبل ماياصالك برد الهبوب اصبر على حرّه)

وهنا كما قلت آنفا يعزز دور الثقة والبعد عن التقليد أو الدوران في مدارات الغير.
(ما دام ان غايتي حاجة (كبيرة) حالفٍ ما أهاب...
ولا امشي في طريقٍ خبرت الرجلين تمشي به)
وقوله في نص آخر.. حيث يلخص أسلوبه في الحياة وكيفية تعامله مع الغير ومدى ثقته بنفسه واعتزازه بها.
(انا اروم الصعب واصارع الكود
ابعد هدف ما يبتعد عن رسولي
بي طيبة لكنها فوق بارود
وبي حدةٍ لو كان طبعي خجولي
احيان اسافر وابتعد.. وابتعد زود
من شان اعود والحقيقة ذلولي
واحيان اغامر واقتحم ذروة الطود
ما ارجع لما اشبع باقتحامي فضولي)

صور تترى ومعان عميقة يسطرها بحسه ويضفي عليها فلسفته الواعية ورؤاه المنبثقة من ثقافة مكتنزة باللغة والمفردة المنتقاة
يقول في أحد نصوصه:
(انا شفت الزمن طير هزيل وصرت له جنحان
واحس ان الألم سلك طويل وعمري المكره
ترى بعض العجاج اهون على الطرقي من الدخان
وطول اليوم ما يطفي لهيب الشوق عن بكره
وترى اكثر من يخاف من المطر من يسكن الوديان
ومن هو بالعطش مذبوح يشرب موية عكره)

والحب عنده معنى سام وحس صادق ورؤية عميقة يقول في أحد نصوصه:
(كرهت الحب.. تدري ليه؟ لأن الحب صار اسهاب
جميع الناس تصبح به وكل الناس تمسي به!!
وصار الحب في غربه لأن العاشقين اغراب
ألاوش ينبغي بالحب لا من غابت الهيبه؟!)
وفي هذه الأبيات حيث يتلاعب بالألفاظ بوعي تام دون إخلال بالمعنى أو تكرار يفقد البيت توهجه أو يقتل الفكرة.
(بديت في زلزال واشعلت نورك
وعند الرحيل اطفيت نورك بزلزال
ما قول لك مثلت واتقنت دورك
بس أسألك عن حب مثل الجبل زال)

وفي نص آخر يغرس المفردة الشعبية بكل ما تحمله من معان وألفاظ قديمة محاولاً أن يجسد الماضي بالحاضر ويحفظها من النسيان والاندثار.. ومن نص طويل يقول فيه:
(نسيتي المزح با لقبه
ونسيتي لعبنا الطبه
نسيتي كشختي دايم
بثوب دوبلي خبخبه
نسيتي غترة الململ
تغطيني تقل جبه
دنسيتي الركض بالطاية
لا صار بدارنا شبه
نسيتي ثوبك التنتر
وغيظك لا انقطع حبه)
إلى آخر النص
إن أول ما يثير إعجابنا واهتمامنا بنصوص أحمد الناصر هو أسلوبه الذي يوحي بسليقة لغوية ترتوي من ثقافة واسعة وذكاء في اقتناص الصور والتراكيب ينأى في بنائها وتكونها عن التقريرية المباشرة وترتكز على التلقائية المتدفقة عن وعي عميق وثقافة مكتنزة بالإبداع عبر لغة متفجرة ومهيمنة على حدود الفكرة وخلجاتها من خلال استثمار اللغة الشعرية التي تنساب في نصوصه ومثل ذلك:
(يا قطعة السكر وذرات الاحساس
في نكهتك حسيت بااهلي وناسي
طعمك جرى بالدم يا عطر الانفاس
الغيت خوفي.. حيطتي واحتراسي)

وبهندسة إبداعية متكئة على رؤى تسبر أغوار المعنى وتنبثق منه بدقة متناهية مترابطة الوحدة والبناء مكونة له أسلوبا ومنهاجا يمنحه التفرد وعدم التبعية المطلقة في سياق النص الشعري ونلاحظ ذلك في قوله:
(كان الشعر يكره قيود المشابك..
فاللي جرح حلم الليالي شبابيك..
يا سيد الأحباب بي مثل ما بك..
أنا أحبك حيل واهواك واغليك..
ذا حب،، لا،، ذا عشق،، لا، ذا تشابك.. أبحرت أدور عنك في وسط عينيك..
كل القصايد نوخت عند بابك
الشعر شعري والمعاني معانيك).

وكذلك في قوله:
(يا واقفة والشعر أرضٍ ما تطيق الانتظار
إما ادخلي ببلا هلا والا ارحلي ببلا شره
هذا التردد داخلك ما ينتهي غير بقرار
وهذا الصدى من أي صوت من وين حدد مصدره؟
قدام عينيك المساحات الكبيرة والبحار
وهناك ممدودٍ جسر إن كان ودّك تعبره)

وعبر لغته الشعرية المكثفة المتمردة يجد القارئ روحه أمام رؤى تلغي فكرة المضمون بالمفهوم الكلاسيكي عبر تجديد واعٍ وفني مدروس ومرتب له لينمو نحو الشمس تاركاً للمخيلة تجاوز حدود الواقع والمضي قدماً نحو فضاءات الخيال..
(ملل يا الانتظار الصعب.. يا حلم نبت بالتيه
ملل كل المواعيد الغبيه.. كل ما فيها

ملل للرغبه الهشه لا ماتت بين (لا) و(أيه)
ملل لاحلام ما تكبر مثل هقوات راعيها)
وهذا بكل تأكيد قمة في التناسق بين اللفظ والإيقاع في خلق مناخ كامل التعبير وإيقاعات في نص شاعري أخاذ في حضور ينم عن تجسيد للتجربة الشعرية لدى أحمد الناصر الأحمد وهذا بمجمله يدل على رؤية فلسفية وبُعد فكري يمتلكها شاعرنا ضمن فضائه الثقافي والاستنباطي الذي يتميز به في قصائده عموماً.
.
.
(رؤية نقدية)
إبحار في (سدرة القلب) لـ احمد الناصر الأحمد . بقلم : هيفاء التميمية
.
.
لا شك بأن قراءتي لمثل هذا النص الباذخ.. قد تظلمه.. ولا أشكر عليها.. لأنني لا أمتلك أدوات تؤهلني لمثل هذه القراءة ولمثل هذا الشاعر بالذات (أحمد الناصر الأحمد).
سدرة القلب
أجاد شاعرنا كثيراً في اختيار العنوان وقلة هم من يجعلونك تقرأ القصيدة من عنوانها.. وقلة هم من يحسنون الاستهلال ويتمكنون من المطلع.. ويستدرجونك منذ أول بيت بالقصيدة ليحفزوك على الانتهاء منها لتعيد قراءتها من جديد.. يقول شاعرنا في البيت الأول.
(الجمر صمتي واللهب بعض بوحي
والشاعر المسكون بالوعي مصباح)
تطويع لا يستغرب من شاعر متمكن لصورة الجمرة واللهب.. صورها شاعرنا بدقة في شطر واحد بيد أنني عجزت عن كتاباتها في جملة مبعثرة!.. وهو يستبعد الرماد.. وفي أسوأ حالاته يكتفي بالجمر.. هكذا هي الروح المتقدة دائماً لا تخبو ولا تنطفي.
أما العطف في الشطر الثاني فلا يقل بلاغة عن الشطر الأول.. إذا ما علمنا بعد قراءة متأنية بأن الجمر واللهب هما وقود المصباح.. لذلك يحمله الشاعر في:
حله وترحاله.. كناية عن الوعي..
(يا سدرة في داخل القلب فوحي
هدي جدار الصمت يكفيك ما راح)
يا لهذا الجدار الذي لا تدكه المعاول ولا يتهاوى أمام أي قوة.. ولكن ما أن يجد في القلب ما يدعوه لذلك فإنه يرضخ.. يرضخ لا لأن (الكبت يولد الانفجار) ولكن لأن الانفجار قد آن أوانه و(الشاعر المسكون بالوعي) يعي تماماً متى يطلق الكلام ومتى يحجم عنه.
كفى.. قالها بعدما أيقن تماماً بأنه سكت بما فيه الكفاية.
(لو طال دربي ما يقصر طموحي
الله خلق في هقوتي عدة أرواح)
أعتقد بأن هذا هو بيت القصيد.. وفي كل قصيدة أقف عند بيت من أبياتها لأردد (كفو) أقول بأن هذا البيت هو الذي شيدت القصيدة من أجله، جرت العادة بأن النفس البشرية عندما تفشل في الوصول إلى ما تطمح إليه فإنها تعود أدراجها خشيت المرور بما تجرعت مراراته من قبل.. (الله خلق في هقوتي عدة أرواح) ترى هل تموت تلك الأرواح لتبعث غيرها في تجربة جديدة.. أم أن الطموح هنا يخوض التجربة ذاتها مع كل روح حتى يصل إلى مبتغاه. في كلتا الحالتين هذا البيت محفز للمضي قدماً للأمام ومضاد للنكوص.
(أحمل سلاحي ما بعد بعت روحي
في هالزمن ما فيه عاقل بلا سلاح)
بيت مطلق.. يحتمل التأويل في نفس المتلقي كيفما شاء..
أنا استشعرت من خلاله بأن هذا السلاح هو الحذر بعد أن توقفت عند كلمة (عاقل) في الشطر الثاني طويلاً.
(أكبر عذاربي براءة وضوحي
وأصعب عيوبي إني إنسان لماح)
بيت يتجاوزه فقط من يستمرئ الكذب، أجاد الشاعر كثيراً هنا لأنه يعلم جيداً بأن الوضوح يسبب المتاعب له ولمن حوله، وجدت هنا.. كما أن بين العقل والجنون والصراحة والوقاحة خيط رفيع جداً..
فإنه بين الوضوح البريء والوضوح الذي ينطوي على المكر خيط كذلك.
لا يستطيع من لا يمتلك حس الشاعر نفسه أن يفهم هذا الوضوح كما ينبغي، لذلك ربما عده الشاعر أحد عذاريبه أما أصعب عيوبه فهي نباهته، والذكاء نقمة يتمناها الأغبياء. (اللماح) شخص غير مريح في نظر من يمارسون زيفهم على من لا يكتشف أمرهم فيأتي هذا المتطفل وفي غمضة عين يسقط القناع ، نعم يا أبا عادل أوافقك تماماً.. هو عيب وأي عيب.. ومع ذلك يحق لك أن تفخر به. فهو فخر.
(لا جيت أفتش في ثنايا جروحي
كني أحس بشي مثل الأمل طاح)
ولأن الجروح تتفاوت حسب أهميتها، ولأن ذاكرة الجرح قوية جداً فإن الجسد قد شيد بنيان ثناياه لتلك الجروح، كل ما عليك هو أن تبحث ولن تعدم جرحاً تحمله ثناياك، وكأني بالشاعر هنا يحمل جروحه بكلتا يديه وبحذر شديد. وهو يبحث عن الجرح الأكبر الذي دفعه ربما لكتابة هذا الوجع - القصيدة.
ولا شيء أثقل في ميزان الجروح من جرح (فقدان الأمل) لأنه باختصار شديد يعني الضياع ولأنه باختصار أشد جرح لا يبرأ. لا يهدأ بالأعذار ولا يشفى بالوعود.
(الله يا زيف الزمان الشحوحي
اللي مزج لون الحقايق بالأشباح)
توقفت كثيراً هنا لأنني أفقد أعصابي عندما أجد كلمة (شح) ما أشح القلب عندما يخطئ تصويب الاختيار وما أشح العقل عندما يجازف في اختيار رفقة غير صالحة.. وما أشح مشاعرنا عندما تنهمر على من لا يستحق. الشح.. الشح. قد يكون العطاء في باطنه والشح يكمن في أنفسنا التي ذهبت حسرات وهي تتوسل على (تجويف) اعتقدت يوماً بأنه (قلب ينبض).. امتزجت الحقائق بالأشباح لانعدام الصدق. امتزجت الحقائق بالأشباح لاندثار الوفاء.. العطاء.. الإيثار.. العهد.
شعور مرير وغربة روح تتخبط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
(بقولها في صدق والناس توحي
معقول به شاعر بها لوقت مرتاح)
ولهم آذان لا يسمعون بها، يا أبا عادل (الشاعر.. الشاعر) هو فقط من لا يهدأ ولا تقر له عين.. وكم من شاعر بلا شعور.. كمستشرق يمجد الإسلام ولا يدخل فيه.
الشاعر الحقيقي لا يرتاح حتى يكتب ما يمليه عليه ضميره وما يجده في ذاته حقا بلا زيف ولا تدليس.
وكما أجاد شاعرنا في بيت البداية أجاد في بيت الختام.
حسناً بقي أن أقول بأنني بحثت عن الشعر فوجدت (سدرة القلب) قرأتها كثيراً وفي كل قراءة أبحث عن كلمة أقحمت قسراً فلا أجد. وأبحث عن لفظ نافر فلا أجد.
كتبت هذه القصيدة بعقل شاعر خبير لا يخدم القافية على حساب المعنى ولا يترك ثغرة واحدة لنفوذ المتسلقين.
.
.

الأحمد يكشف عن مفاجأة الدرر من خلف (الأسوار)
بقلم . محمد علي الطريف
( صاحب حضور تراكمي رائع في الساحة الشعبية، تميز بالأخلاق العالية، ورصانة المعنى، وأناقة العبارة، أصدر قبل أيام ديوانه الجميل الذي يقع في مائة وثمان وأربعين صفحة اختار له عنواناً موحياً وهو (الأسوار)، وأتبع العنوان بتفصيل موجز يختزل المحتوى وهو (ذاتي وجداني)، كما جاءت (إضاءة) على الصفحة رقم 5 مختزلة ما سبق الإشارة إليه بخط يده:
(يسعدني أن أقدم لكم بعضاً من تجربتي الشعرية بشقيها الذاتي والوجداني، دونما وسيط أو مقدمات. كلي أمل أن يرتقي ما تقرؤونه إلى مستوى ذوائقكم).
وجاءت استهلالة قصائد الديوان قصيدتان تعكس الفطرة الإسلامية السليمة للشاعر السعودي في المملكة العربية السعودية، فالقصيدة الأولى في (كتاب الله) والثانية في (حب الرسول)، واقتطف منهما على التوالي ما يلي:
من الأولى:
(هذا كتاب ما يقارن بغيره
هذا كتاب الحق والصدق والنور
فيه السور نور البصر والبصيرة
محفوظ بأمر الله عن الشك والزور)
ومن الثانية:
(كل ما يزيد الكفر والظلم والغل
نزيد في حب الرسول ونطيعه)
ثم رسم بريشة مداد الحب والتمكن من الوصف الدقيق قصائد حوت من منظور نقدي كل ما تشتمل عليه قصائد الشاعر الجزل في علم المعاني والبديع، من أخذ المتلقي عالياً في سماء الذائقة الرفيعة، تمثّل ذلك في قصائد عديدة منها:
(القصيم، سدرة القلب، قطعة السكر، الأسوار، حالة غريبة، من تكون؟!).
وامتزج في بعض القصائد الوازع الديني بالسكينة والحكمة، كقول الشاعر في قصيدته (نجوى):
(لا سكّرت قدام عينك دروبك
لامن غدت شكواك أكبر من الآه
لا من توجّه جيش الأحزان صوبك
لا صار همّك وين ما رحت تلقاه
نفسك وخلاّنك أهلك وجيوبك
ما تنفعك.. ينفعك ما يرضي الله)

كما أن لعمق ثقافة الشاعر ما يتجاوز النمطي في قصيدة الغزل، حيث تفتح التورية لاحتمالات التفسير، يقول في (بعض الصدف):
(الله على بعض الصدف رقّة وأحاسيس وشجون
يمكن تشوفه عابرة والخير في مكنونها
كم صدفةٍ من صدقها تروح للقلب وتمون
لما تغلغل بالمشاعر ما تجوز بدونها
الله عليها صدفةٍ تجاوزت كل الظنون
حتى بدت أيام عمري تكتسي من لونها)

كما أن للتجلّي حضوراً واضحاً، يقول في (ليالي نازفة):
(ليالي تطعن الأشياء وتهتك حرمة المحسوس
تحوّل من حصار الوقت من جملة إلى صورة
قمرها مات في غزوة وقمراها جرحها موس
لها ثارات ترضعها رحيق أحلام مقبورة)

وبرؤية اجتماعية دقيقة، يقول في (شهب العراقيب):
(إذا بغاك امطر عليك التراحيب
ويسرف بمدحك لا بغى منك حاجة
وإذا انتهى ورّاك شهب العراقيب
عقب المطر تبدأ مواسم عجاجه)

وبحس فلسفي راقٍ، يقول في (الفقر من جوّا):
(لا تكثر البحث والتنقيب
عن حالة فلان وش سوّا
الفقر بالمال ما هو عيب
العيب بالفقر من جوّا)

كما جاء في (أودية الحلم):
(للقلب هاجس.. للخيال استدارة
بين الخيال وهاجس القلب محتار
آمال تبرق والمطر في غزارة
والأرض عطشى كيف ما تنبت أشجار
والحلم يفتح أودية للإثارة
ويعزف تقاسيم الفرح بين الأحجار)

وفي (معايير):
(بعض المواقف مالها أي تبرير
عاش الضمير الحي والصمت راحة
لازم نحدد للصراحة معايير
من قبل نبدأ في حديث الصراحة)

واختتم المقال بالإشارة إلى أن الديوان احتوى على قصائد جميلة متنوعة، تاركاً مفاجآتها لمتذوقي الشعر الراقي.
.
.
ختاما
تمضي الكلمات… ويبقى أثرها.
آمل أن أكون قد لامست شيئًا من تأملكم في الجزء الأول من «قراءات نقدية»، على أمل لقاءٍ قريب يتجدد في الجزء الثاني.
لكم مني صادق الشكر، وطيب التحايا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة