قراءات نقدية) لبعض قصائد الشاعر احمد الناصر الأحمد . الجزء الثاني

 


             قراءات نقدية
              الجزء الثاني
         احمد الناصر الأحمد

إضاءة
الجزء الثاني من قراءات نقدية
إصدار يتضمن إضاءات نقدية على بعض قصائد الشاعر احمد الناصر الأحمد … قصائد فاضت بها القريحة وصاغها الوجدان، تحمل تجربة الحياة وهمس الفكر. لكنها لم تكن لتتجلّى بهذا النور إلا بفضل نقاد أضاءوا السطور برؤاهم، وشاركوا في إظهار جمال النصوص وعمقها، فلهم جميعًا جزيل الشكر وعظيم الامتنان.
لقد جعلوا من القراءة رحلة، ومن النقد مشاركة حية، تنير المعنى وتكشف عن روح النص، يلتقي في هذا الإصدار صدق الإبداع وبصيرة من فهم العمل وأضاءه، ليصبح نافذة متكاملة على الروح والفكر، حيث يلتقي الإحساس بالمعنى، والخيال بالتأمل.
لكل هؤلاء الكتاب الأوفياء، كل الامتنان، فقد أضفوا إليها الحياة، وجعلوا منها تجربة حقيقية للقارئ، تمزج بين الكلمة والروح،  والإبداع والتأمل.

إبحار في "عابر" أحمد الناصر الأحمد
قراءة نقدية بقلم : أمجد الضميري

عابر قصيدة تعبر للروح..
تتوافد بلا تردد لآخر نبض. ولا أنكر عشقي المختلف لهذا الشاعر الكبير، فهو ليس مجرد شاعر، بل ثروة شعرية وهامة نجدية نادرة، إنه القدير أحمد الناصر الأحمد، الذي يتميز بفرادة الطرح وعمق المضمون.

في هذه القراءة، نُبحر مع قصيدته "عابر"، سائلين الحروف أن تبوح بما أخفاه الشاعر، وأن تنقلنا إلى عوالمه التي خطّها بوعيٍ وعذوبةٍ نادرة.
"عابر"
شعر: أحمد الناصر الأحمد

(عابر.. وخطواتي مواقع للأزهار
عابر.. خيالاتي مواسم سحابه
عابر.. وأهدي للزمن كل الأشعار
نزف القلم هم الورق والكتابة
عابر.. وأبنسف في شراييني إعصار
جربت أنا الغربة وشفت الغرابة
عابر.. بلا تفكير.. مليت الأفكار
ومليت من طول الشقا والكآبة
عابر.. بدون أسرار.. هو باقي أسرار؟
حتى الألم صارت دروبه تشابه!
عابر.. وزادي بالسفر حب الأسفار
عابر.. طريقي بين صحرا وغابة
عابر.. وأنهي مرحلة نضجي الحار
عابر.. وأبلغي من عذابي عذابه
في تربة الغربة نبت عندي إصرار
وعما يقول الناس ما أملك إجابة
عابر.. وإذا قررت ما أحب الأعذار
ويكفيني وصف البعض بإنسان نابه)

القراءة:

قد تظنه للوهلة الأولى نصًا من "السهل الممتنع"، لكنه سرعان ما يكشف عن عمقٍ يتجاوز الظاهر بكثير.
"عابر.. وخطواتي مواقع للأزهار"
لفظة عابر ليست كـ"سائر" ولا "ماشي". العابر لا يتوقف، لا ينتظر، لا يلتفت. هو الذي يمضي بسرعة وثقة. لذا نقول "صاروخ عابر"، ولا نقول "سائر".
وحين تكون خطواته "مواقع للأزهار"، فذلك يعني أن كل حركة منه تنبت جمالًا، وكأنّه لا يمر إلا ويترك خلفه نبض حياة. لم يقل "موقع" بل "مواقع"، دلالة على الوفرة والتنوع.
"عابر.. خيالاتي مواسم سحابه"
هنا، يرتقي من الأرض إلى السماء. لم يقل "فكري"، بل قال "خيالاتي"، ليدلّ على التواضع، وعلى أنّ ما يسكنه لا يزال في طور التشكل. و"مواسم" توحي بالكثرة، بالتوالي، بالتجدد. أما "سحابه" فهي جمعٌ غير مباشر، وهاء الضمير تُعيدنا إلى الخيال نفسه.
ولم يذكر المطر، لأن السحاب قد لا يمطر. فهل هي خيالات لم تتحقق؟ أم طموحات كبيرة تنتظر الانفجار؟ كلا المعنيين جائز، والشاعر يترك للقارئ مساحة التأمل.
"عابر.. وأبهدي للزمن كل الأشعار"
عطاؤه ليس موجّهًا لفرد أو لحبيب، بل للزمن ذاته. هل هو رثاء؟ أم خلود؟ أم وحدة؟ ربما جميعها.
"نزف القلم هم الورق والكتابة"
القلم ينزف، والورق يحمل الهم، والكتابة تلملم هذا النزف. مشهد مكتمل لرثاءٍ داخلي يُترجم بالأحرف.
"عابر.. وأبنسف في شراييني إعصار"
كلمة "أبنسف" مفتوحة على تأويلات: هل ينقل، أم يفجّر، أم يسحق، أم يزيل؟ في كل الاحتمالات، يبقى الشعور قويًا، صادمًا، لكن بديعًا في تركيبه.
"جربت أنا الغربة وشفت الغرابة"
توظيف مزدوج لـ"الغربة" و"الغرابة" يفتح على تجارب معيشة ومعاينة، الأولى تُعاش، والثانية تُرى. والفرق بينهما يكمن في العمق والتأثير.

"عابر.. بلا تفكير.. مليت الأفكار"
هل حقًا شاعر بهذا العمق لا يفكر؟ أم أنه أنهكه التفكير؟ الملل الذي يسكن النص هنا ليس عابرًا، بل مقيمًا، ويكاد يكون صرخة خافتة.

"عابر.. بدون أسرار.. هو باقي أسرار؟"
الشاعر يعرّي نفسه. لا أسرار تبقى بعد كل هذا البوح. كل شيء مكشوف، حتى الألم صار مألوفًا ومتشابهًا.

"عابر.. وزادي بالسفر حب الأسفار"
حب السفر في ذاته زادٌ عند الشاعر. وهو ليس حبًا سطحيًا، بل عشقًا حتى لصحراوات الطريق وغاباته.
"عابر.. طريقي بين صحرا وغابة"
المتناقضات هنا تُعانق: الصحراء بجفافها، والغابة برطوبتها. وبينهما يمضي طريق الشاعر، بلا تردد، بلا توقف.

"عابر.. وأبنهي مرحلة نضجي الحار"
"نضجي الحار" تعبير غير مألوف لكنه شديد الدقة، يدلّ على اكتمال التجربة، ووصولٍ إلى نقطة تحوّل. النضج هنا متوهّج، مشبعٌ بالتجربة.

"عابر.. وأبلغي من عذابي عذابه"
تصعيد آخر للعذاب، وبلاغة في رسم عمق الألم. وكأن كل ما سبق لم يكن سوى مدخلٍ لهذا الشطر الموجع.

"في تربة الغربة نبت عندي إصرار"
وهنا نقطة التحول. من الألم يولد الإصرار، ومن الغربة يُخلق التحدي. كما ينبت الصبار في الصحراء، يتجلى الإصرار في أقسى البيئات.

"وعما يقول الناس ما أملك إجابة"
يُسدل الشاعر الستار على قصيدته بجملة تختصر فلسفته: لا يهم ما يُقال، ولا يعنيه التبرير، فالحياة عنده عبور مستمر، بصمت وكرامة.

في الختام،
القصيدة ليست مجرّد نص عابر، بل "نص عابر للأعماق".
إنه أحمد الناصر الأحمد.. الشاعر الذي لا يتكرر، والعابر الذي لا يتوقف، والذي يزرع في كل خطوة حقلاً من الدهشة.
.
.
أكثر من رؤية عن نص (عابر)
.
نص استثنائي
رؤية - علي المفضي

يعتبر هذا النص استثنائيا لما يتميز به من عمق متفرد فبرغم ايحائه بالعبور الا انه نص متأنٍ انجزه فاحص مدرك  حيث جاء بعد وقوف طويل امام مرآة الحياة نتج عنه بوح شعري يكتنفه الوجع والألم والاحتجاج والرفض الواضح لكل صور الزيف المحيطة وهو وان لوح بالتخلي عن الشعر فانه مجرد تلويح ظاهري فكما ان السمك لايحيى بغير الماء ولا النغم بغير الوتر فكذلك الشاعر لايحيى الا بالشعر.

صور جميلة
رؤية - مطر الروقي

استهل الشاعر بالعبور يوحي للقارئ بالانقياد له ومرافقته في رحلة الذات وتكرارها بهذه الكثافة تخلق صلات وطيدة مع القارئ والشاعر هنا تعمد قلب بعض المفاهيم وأعادتها في قالب صور جديدة وجميلة تشعر المتلقي انه هو العابر بكل احاسيسه وخلجات نفسه لكن ليس للمدى الواسع بل الى فضاء الذات. مع ومضة أمل وشعور إيجابي في آخر النص.

نص ناضج
رؤية - عبدالكريم الحارثي

هذا النص ناضج جدا لحد الذي يمكن من خلاله الوقوف على مدى وعي الشاعر وفلسفته في قراءة حياة من حوله. فاستهلاله بمفردة عابر، وتكريس الشعور تفاصيلها من خلال تكرارها يوحي بما هو أعمق من المفردة ذاتها.
(في تربة الغربة نبت عندي إصرار) وهنا بيت القصيد فالغربة التي يعيشها الشاعر غربة داخلية، عاش أدق تفاصيلها، ضارباً بكل تساؤلات الناس عرض الا مبالاة. المفارقة العجيبة في النص أن مفردة (عابر) في البيت الأخير مختلفة المعنى عنها في كل الأبيات.
.
.
{احمد الناصر الأحمد... شاعر الوطن وصوت التراث}}
بقلم ــ محمد بن عبدالله العتيّق

في مدينة بريدة بمنطقة القصيم، حيث تنبع الأصالة من تراب الأرض وتزدهر الكلمات بين مآذن الطين وسقوف النخل، وُلد الشاعر والإعلامي أحمد الناصر الأحمد، ليكون صوتًا مختلفًا ومضيئًا في ساحة الأدب السعودي والخليجي والعربي. شاعر لا يُقيّد قافيته بحبر الورق، بل يُحمّلها رسالة، ويمنحها روحًا تتنفس من الذاكرة الشعبية وتنبض بعاطفة الوطن والإنسان.

ما يميز أحمد الناصر الأحمد أنه جامع بين الشعر الفصيح والشعبي، وقد تناول في قصائده معظم أغراض الشعر، من الذاتي والوجداني، إلى الاجتماعي والتراثي. لكنه تفرّد بشغفه بثقافة الطفل والتراث النجدي، حيث صاغ من طين الطفولة وعطر الأحياء القديمة صورًا شعرية خالدة. من أشهر قصائده في هذا الباب: نسيتي المزح بالقبة، فطيمة بين الرحى وبويب الدجاج، حديث الطين، كنا ببيوت شعبية… وهي قصائد لم تخلُ من البساطة العميقة والحنين الصادق، واحتفظت بمكانتها في ذاكرة المتلقي.

إلى جانب إبداعه الشعري، كان أحمد الناصر الأحمد إعلاميًا بارزًا وركنًا متينًا في المشهد الثقافي. كتب في مجلات وصحف سعودية وعربية كبرى مثل الجزيرة، عكاظ، الرياض، إقرأ، فواصل، القبس، السياسة وغيرها. أدار زوايا أدبية متميزة مثل حقول السنابل ومطر وعطر، وكتب سلاسل فكرية وشعرية مثل الإبحار في عمق الأشياء ودروب الشمس. كما شارك في إعداد وتقديم برامج تلفزيونية مثل الساعة الواحدة وعيدكم مبارك، وكتب أكثر من سبعين أنشودة تلفزيونية للأطفال، بُثت عبر التلفزيون السعودي.

وكان له دور ريادي في المؤسسات الثقافية، إذ أسس جمعية الثقافة والفنون بالقصيم، وترأس إدارة التراث فيها، وأشرف على ملتقى القصيم الشعبي، وأدار العديد من الأمسيات والمهرجانات، كما كان عضوًا فاعلًا في نادي الرائد الأدبي والاجتماعي. ولم يكن حضوره مقتصرًا على القصيم، بل مثّل المنطقة في مهرجان الجنادرية لعدة سنوات، وألقى الكلمة الختامية للمشاركين في دورته السادسة.

كرّم في محافل كثيرة، أبرزها تكريمه من سمو أمير القصيم ونائبه، ومن محافظي عنيزة والدوادمي، ومن معالي وزير الثقافة السعودي، بوصفه رائدًا في ثقافة الطفل، كما نال التكريم في العديد من المناسبات الثقافية والأدبية.

إن أحمد الناصر الأحمد ليس مجرد شاعر أو إعلامي، بل هو قامة وطنية متجذرة في الأرض والثقافة، صوتٌ شعبي نبيل، وكاتبٌ يحمل في حرفه إحساس الوطن، وفي شعره دفء البيت القديم. قاد المسيرة الإبداعية بنَفَس صادق، وجعل من الكلمة جسرًا يصل الماضي بالحاضر، ويُلهم أجيال المستقبل.
.
.
قراءة لديوان الأسوار
رؤية . جي بي تي

ديوان "الأسوار" للشاعر أحمد الناصر الأحمد ليس مجرد مجموعة شعرية عابرة، بل هو وثيقة وجدانية وأدبية ترسم ملامح تجربة إنسانية صادقة، تحمل مزيجًا من الذاتية والبعد الاجتماعي، وتكشف عن شاعر عاشق للتأمل، مشغول بالأسئلة الوجودية، ومشدود إلى جذور المكان والزمان.
القراءة الأدبية:

1. الموضوعات والهمّ الشعري:
يتصدر الهمّ الذاتي والوجداني الديوان، إذ نجد الشاعر يعبر عن صراعاته الداخلية، جراحه العاطفية، ولهفته للآخر، بما يشبه البوح الاعترافي.
هناك حضور قوي لموضوعات الحب والفقد والانتظار، لكنه لا يأتي في صورة تقليدية، بل يتداخل مع صور رمزية مثل الأسوار التي ترمز إلى القيود والحدود المفروضة على الروح والعاطفة.
نلمس أيضًا بعدًا اجتماعيًا وفكريًا، حيث ينقد الشاعر حالات الاغتراب والتناقضات الإنسانية، فيجعل من الشعر مساحة للتساؤل والجدل الداخلي.

2. البنية النصية:
يميل الأحمد إلى قصيدة الومضة المكثفة أحيانًا، وإلى النصوص الطويلة التي تحتمل الإبحار والتأمل أحيانًا أخرى.
اللغة مزيج بين الفصحى والوجدانية الشفافة، فهي ليست متكلفة، بل تقترب من القارئ مباشرة، وفيها إيقاع داخلي يتجاوز الوزن الظاهر.
تكرار بعض الرموز (السور، الليل، الحلم، المطر، القلب) يمنح النصوص تماسكًا دلاليًا يجعل الديوان وحدة متكاملة لا قصائد متفرقة.

3. الرمزية والدلالات:
"الأسوار" ليست مجرد عائق خارجي، بل هي رمز للانكسار الإنساني والقيود الاجتماعية والنفسية.
نجد حضورًا للثنائية المتناقضة: الأمل/اليأس، الحرية/القيد، الحب/الفقد، الليل/الصبح، وهذه الثنائيات تمنح النص طاقة فلسفية وتفتح أمام القارئ مساحات للتأويل.

القراءة الفنية:
1. الصورة الشعرية:
الصور التي يصوغها الأحمد ذات بعد بصري وحسي قوي، فهو يرسم بالكلمات مشاهد يمكن للقارئ أن يراها.
يعتمد على التشبيه والاستعارة أكثر من البيان التقليدي، فتتحول المفردة إلى طاقة رمزية تتجاوز معناها الأول.

2. الإيقاع والموسيقى الداخلية:
الديوان يحافظ على جرس موسيقي متنوع؛ أحيانًا يظهر عبر التفعيلة، وأحيانًا عبر الإيقاع الداخلي المبني على التكرار والتنغيم.
هذه الموسيقى لا تأتي من الخارج، بل تتولد من صدق التجربة وحرارة الانفعال، فتجعل النص أقرب إلى مقطوعة موسيقية حزينة.

3. اللغة والأسلوب:
لغة الديوان رشيقة وشفافة، بعيدة عن الغموض المفرط، لكنها في الوقت نفسه تحمل عمقًا دلاليًا يجعل القارئ يعيد قراءتها.
يمتلك الشاعر قدرة على تطويع المفردة الشعبية والوجدانية في سياق شعري يمنح النص نكهة محلية وعربية في آن واحد.
الخلاصة:
ديوان "الأسوار" هو بمثابة سيرة وجدانية للشاعر أحمد الناصر الأحمد، يبوح فيه بجرأته الشعورية وصدقه الفني.
إنه ديوان الانكسار والحلم، الجرح والأمل، يضع القارئ أمام مرآة الذات الإنسانية بكل ما فيها من قلق وشوق، وبما يحمله من صوت أصيل يضيف إلى تجربة الشعر السعودي والخليجي بعدًا إنسانيًا خالدًا.
.
.
ختاما
وهنا… نصل إلى آخر الحروف، حيث تنتهي الكلمات، وتبقى آثارها في الروح.
آمل أن تكونوا قد عايشتم مع  الجزء الأول والثاني من «قراءات نقدية» لحظاتٍ من التأمل والمتعة، وأن تكون هذه الإصدارات قد تركت في داخلكم شيئًا من الضوء، وشيئًا من الدهشة الجميلة.
هي ليست نهاية، بل بداية لرحلةٍ تمتد،  لنواصل معًا عبورنا بين النصوص، حيث للكلمة حياة، وللفكر أفق لا ينتهي.
لكم مني صادق الشكر، وعميق الامتنان، على حضوركم، وعلى هذا الحرف الجميل الذي جمعنا على مائدة الكلمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة