١٥ حلقة من زاوية إمتداد التي نشرها تلشاعر احمد الناصر الأحمد في جريدة الجزيرة
إمتداد . الجزء الأول
يسعدني أن اقدم لكم الجزء الأول من مؤلف ( إمتداد ) وهو عبارة عن سلسلة من المقالات الأدبية المنوعة نشرتها بهذا الأسم في جريدة الجزيرة السعودية.
.
.
( السلام عليكم )
.
وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)
اختصار جميل للعلو للحب للصفح للتسامح.
كم نحن بحاجة لتطبيق هذه القاعدة الدينية والأخلاقية والإنسانية العالية والمهمة في حياة الأفراد والجماعات.
السلام.. مفتاح سحري يمتلك قدرة عالية على إذابة جليد الخصام وإزالة موانع التنافر ونسف حواجز التشاحن والبغضاء والولوج للقلوب مهما قست وتحجرت!.
السلام.. جسر متين يصل بين القلوب ويغربل اوردة النوايا فيطرد كل ماهو ضار من مايكروبات الفرقة والحقد ومرادفاتهما.
السلام.. بلفظه السهل ومعناه العميق حل ناجع وناجح للتقريب بين المتشاحنين والمتخاصمين وطريق مفروش بالورد نحو محطات العفو والتجاوز والنسيان!.
السلام الذي اعنيه هنا ليس السلام العالمي الذي تمطرنا به نشرات الأخبار ولا السلام بين الدول رغم اهميته.. السلام المعني اسهل وابسط وايسر وبإمكان الجميع فعله بدون عناء اوجهد.. إنه إلقاء التحية:
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) على من تعرف ومن لاتعرف.. من تحب من لاتحب! من يحبك ومن لايحبك.. الأمر سهل جدا متى ماوجدت النية الصادقة وتزامنت معها ابتسامة نقية وملامح وجه جاذبة مريحة إيجابية.
ديننا الحنيف ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم حثنا على هذا العمل الإيجابي الرائع وحفز كل من يمارس هذا السلوك بنية صادقة بحسنات كلنا نتمناها ونحتاجها.
في ظني أن المبدعين بكل تفرعات الإبداع معنيون في إشاعة هذه الفضيلة ونشرها والترغيب بها وتناول تأثيرها الجميل بين الناس كل الناس!.
.
.
( تعبت اسافر )
.
قلة من القصائد تستوقفك.. تأخذك إلى فضاءات الدهشة.. تفتح لك أمداء واسعة للخيال الممزوج بالواقع!.. أو الواقع المستشرف للخيال !.. تمنحك درسا مهما عن حزن النبلاء وشجن الفرسان.
من هذه الفرائد قصيدة بدر بن عبدالمحسن.. (تعبت اسافر في عروقي ومليّت..). في القصيدة فلسفة عميقة وحبكة أنيقة وسفر شفيف لفارس عشق المغامرة حتى وإن كانت للداخل.. داخل النفس.. للعمق. .عمق الإنسان.. هي مغامرة صعبة جدا على الكثير من الشعراء لكن بدر بن عبدالمحسن اجتازها بامتياز رغم حزنها ووحشتها ووعورة طرقاتها وصعوبة الإجابة على أسئلتها.
يقول البدر:
تعبت أسافر في عـــروقي ومليت
من جلدي اللي لو عصيته غصبني
ياما تجـــاوزت الجسد واستقليت
عن الألـــــم.. لاشك جرحي غلبني
أنا سجـــــين الحال مهما تسليت
وانا الطليق .. وكــــــل شيٍٍ قضبني
حــــــــريتي لاعل. .يا كـــــود ياليت
ما شفت حــــــي ٍ جاد لي ماسلبني
.
تمازج جميل للشعر والفكر والفلسفة.. وصراع محتدم بين ماهو أمنية والواقع.. الاحتدام والتضاد والأسئلة المتشظية هنا أعمق مما قد يتخيل القاريء وأبعد مما أظن أنا !.. وأظن شفرتها ملكية خاصة للبدر.. أما نحن فيكفينا دهشة الإبحار.. ورجفة الجرأة من المغامرة.
يواصل بدر نزفه وعزفه حيث يقول:
وليت يا ليل التباريــــــــــح وليت
اما محـاني الحـــــــــزن والاكتبني
كل السما في دفتري وان تجليت
مثل الشموس..غبار قبري حجبني
لي صاحـــب وان ما تخلى تخليت
لا بد ما نهـــــــــدم. .ولا بــــد نبني
.
.
(السيد جوجل )
.
بيت شعر تاه عنك مبدعه.. تفتش عن رواية أو قصة اوخاطرة انطمرت بالذاكرة ثم اشتعل ذكرها حين غرة.. حين تبحث عن شيء .. أي شيء حين يتزايد ضمأ المعلومة والبحث عن المعرفة.. حينها.. ليس امامك إلا الطريق الأهم والأسرع والأشهر.. المكتظ بالعابرين ذهابا وإيابا.. إنه السيد (جوجل) الذي لايضيق صدره بكثرة المستفتين وزحام الباحثين عن إجابات لأسئلة حامت في رؤوسهم فكان هذا المفضال هو خير معين لهم لمعرفة الإجابات أو ماهو قريب منها!.
ولأنهم قالوا قديما عند جهينة الخبر اليقين..و.. إذا قالت حذام فصدقوها..! الآن نقول بثقة عند جوجل أو قوقل الخبر اليقين في الغالب.. والـ غير يقين في بعض الأحايين!.. كما أنه أصدق من حذام في أمور عدة وقضايا هامة وغير وهامة!.
يظل جوجل مقصد الباحثين عن المعرفة بكل تفرعاتها وتنوعها وهو لايبخل عليك بالمعلومة ويتحمل مسؤولية صدقيتها من عدمها الشخص الذي رماها في جوف هذا الحوت الضخم وليس الحوت ذاته!.
.
( قضايا ادبية )
مساحات الشعر تتسع وجودته تتضاءل.. منابره تتنوّع وقيمته تتناقص.. هكذا يردد الكثيرون عن قناعة.. وأجدني وبذات القناعة اتفق معهم!
مؤمن تماماً أن جودة الشعر باقية ولكن كثرة غثه تخفي سمينة!
الباحث الجاد عن الشعر الحقيقي يجد الكثير من الصعوبة في البحث عنه والقبض عليه لكثرة مسالكه وتشعب طرقاته.. ويبقى التدافع بين الجيد على قلته والرديء على كثرته سنة الحياة ليظل للاكتشاف لذته وللجمال رونقه.
- الشعر النسائي بخير والإعلام الجديد أتاح للمتلقي سهولة الاطلاع وقراءة الإبداع النسائي وفي مقدمته الشعر بكل يسر وسهولة.. لكنه وقع في مأزق من حيث وفرة المطروح التي لا توازيها جودة كافية في المنجز الشعري.. أكثر من شاعرة رائعة عرفنا إنتاجها وألفناه وتعلقنا به من خلال الإعلام الجديد وهذا يبدد الكثير من السلبيات التي تعيق مسيرة بحثنا عن الشعر النسائي الجميل.
- غياب الناقد الحقيقي والمنصف عن ساحة الأدب والشعر والشعبي أمر يقلق المعنى بأمر الساحة المهموم برقيها ورفعتها.. قبل عقدين من الزمن تقريباً ولج إلى ساحة الشعبي كوكبة من الأكاديميين بعضها أسماء معروفة في ساحة الفصيح وأخذت تتعاطى النص الشعبي الحديث على استحياء لكنها غادرت الساحة بسرعة دون أن تترك أثراً هاماً يستحق الاحتفاء والاقتداء.. باستثناء هؤلاء الثلة ظلت ساحة الشعبي تفتقر للناقد الدؤوب والحصيف والمثابر عدا بعض الاجتهادات لأسماء تشكر على ما تقدم وإن كان دون المطلوب.
.
( الشيخ الوقور )
.
كثيرون غيري يعشقونك أيها الضيف الجميل النبيل.. والثقيل على كل من أثقلته ظروف الحاجة وتعاقب الجراحات.
الكثيرون تغزلوا فيك قبلي والكثيرون سيتغزلون بك بعدي.. وعشقهم لك لاينقصه الكارهون لك والمتذمرون منك!.
أيها الشيخ الوقور تحل ضيفا مبهجا على الكثيرين.. تقلباتك مفاجآتك..بوحك وروحك امداء واسعة للخيال ومضامير مغرية للجري في سباق البوح الندي البهي :
بــــــــــــرد ٍ يلـــــــف الأمكنة والزوايا
برق ورعد وإحساس بالصمت والليل
وملامـــــــــح ٍ تدفي بـــــــرود النوايا
وقلوب ضخت بالعـــــروق التفاصيل
وأحـــــــلام صارت للنفوس المـــرايا
وأحــــــــزان نامت في ثياب التعاليل
.
في نهارك أيها الأنيق العميق تبتسم الصحراء بأمل وفرح متطلعة مستبشرة بالمباهاة في الكشف عن حسنها وبهائها في دعوة لكل سكان المدن المكتظة بالخروج من علبهم المغلقة الى حيث البهاء والنقاء والجمال.. أما ليلك فله حكاية طويلة مليئة في الحنين والشجن والحكايات الدافئة والأمنيات الجميلة.. ليلك صدر حنون يستوعب المسامرات والضحكات والآهات.. ليلك أمداء فسيحة لركض العشاق وهمس المتسامرين وأنّات المكلومين :
ليل الشتا بـــــــرد وهروب وحكايا
خوف ورجا.. رنّة حجول.. ومواويل
ليل الشتا خيل وحــــــروب وسبايا
نار وشعر ورجـــــال.. صفّة معاميل
ليل الشتا ميــــــــعاد رد الهـــــدايا
لا صار ما يصبر على العطــر منديل
لاجا الشتا فــــــــزّت جميع الخفايا
يا وينكم يا جامعين المحـــاصيل?!
ليل الشتا نصـــــــــــر ٍ لكل الصبايا
واكبر هــــــزيمة شاملة للرجاجيل!
.
.
( ياراكب اللي .. )
.
كان يقطع المسافة طالت اوقصرت على قدميه.. ومن ثم على ناقته أو جمله أو حصانه.. تطور الأمر لاحقا حين ظهرت السيارة أو (الحنتور) على مسرح الصحراء.. رغم تواضع بدايتها عند العربي كانت فتحا عظيما وقفزة حضارية مدهشة.. بعد تطور هذه الآلة المتحركة وتعدد أنواعها وتقدمها عاما بعد آخر.. هجرها جل الشعراء العرب زهدا بها وبكل وسائل النقل التي سبقتها واتجهوا للطائرة فهي الأسرع في قطع المسافات ووصول (مناديبهم) الذين يحملون سلامهم للأهل والمعارف ولواعج غرامهم لمن احبوا!.
الأبل ووصفها والثناء عليها استهلك الكم الأكبر من قصائد كبار الشعراء الشعبيين وثلة من شعراء الفصيح في الحقب والعقود الماضية.. و(ياراكب اللي..) و (وياراكب من عندنا..)!باتت فاتحة الكثير من القصائد الشعبية وميدان واسع للتفاخر والمديح.. ثم توالت وسائل النقل وتطورت وظل الشاعر الشعبي يتطور طرحه معها من وسيلة أقدم إلى وسيلة أحدث.
المدائح في الأبل والسيارت والطائرات ليس مدحا لذات الوسيلة ولكنه تعبيرا عن لهفة المٌرسل بوصول فحوى رسالته سواء كانت كتابة اومشافهة للمٌرسل إليه بواسطة طرف ثالث مؤتمن من الطرف الأول بنقل مضمون رسالته بأمانة وصدق وبأسرع وقت للطرف الثاني.
الشواهد من الشعر كثيرة والقصائد يصعب حصرها لكنها في مجملها وسيلة في غاية الجمال للتنفيس عن مكنونات النفس وفيها الكثير من الأمل والرجاء بلقيا قريبة يسبقها شوق جارف وحب صادق فياض وحنين متنام.
.
.
( مطر .. مطر )
.
حكاية عشق جميلة ومتعاقبة ورواية عطاء متجذرة في الكرم والسخاء.. بين المطر والأرض والناس والحياة مودة صادقة ووفاءً أصيلاً.. والمطر قبل ذلك وبعده نعمة من نعم الله الكثيرة التي من بها على مخلوقاته وهو بالنسبة لنا أجمل هدايا الشتاء فهو بدونه يبدو شاحباً صارماً جافاً وقاسياً.
بين المطر والشعر علاقة وثيقة، فالأول يستنهض الثاني ويوقده ويذكيه ويفتح له آفاقاً جميلاً للإبداع والجمال والسمو.
عن المطر يقول نزار قباني:
عاد المطرُ، يا حبيبة َ
المطرْ.. كالمجنون أخرج إلى الشرفة لأستقبلهْ
وكالمجنون، أتركه يبلل وجهي..
وثيابي..
ويحولني إلى اسفنجة بحرية..
المطر..
يعني عودة الضباب، والقراميد المبللة
والمواعيد المبللة..
يعني عودتك.. وعودة الشعر.
وأنشودة المطر للسياب برهاناً آخر لهذا الفاتن الجميل.
في الشعر الشعبي يبدع حسين العتيبي في وصف المشهد في قصيدة جميلة جاء في مستهلها:
المطر حنّت رعـــــــوده وإلتعج برّاقه
صدّق وهذا أوله فــــوق الثرى دفاقي
جاء سحـــابه حادرٍ ممْلي تدلاّ أعناقه
وانتثر هملوله وساق وسقى وإنساقي
مرحبا به عــــــــدْ عينٍ للحيا مشتاقة
مرحبا يا إمفرّج الضيقه على من ضاقي
يا هماليله تساقـــــي وأرفقـي بإدفاقه
أسقي الارض المحيله والثرا مشتاقي
قالوا ان الوسم قفّا والوسوم إشفاقه
قلت ربي يا عـــرب هو كافل الأرزاقي
الكريم اللي يجـــــود ولا بخل بأرزاقه
بأمره إتْلم المــــــزون ويلعج البرّاقي
هذي امــــزونه تهامل والحيا بإشراقه
كـل وادي سال حتى القاع صارت ساقي
وامتلت كل الخباري من زلال أوداقه
لين عقب اسبوع بيّن باذره وادقاقي
ابشروا يا أهل المواشي لا إكتسا بإرناقه
ليتني ما بعت في هاك السنين إنياقي
جتْ مناة اللي شفوفه من شفوف إنياقه
إبدويٍ للفياض المخْضرة عشّاقي.
.
.
( عملات لايمكن صرفها )
.
الذكريات صناديق انيقة معبأة بعملات نادرة لا يمكن صرفها أو التعامل بها.. متعتها تنحصر باستحضارها بعض الوقت والإحساس بقيمتها التي يصعب تعويضها)، هكذا وصفت الذكريات ذات حنين.. كما سبق ان تناولتها في موضوع سابق.. لكن الذكريات في خيالات المبدعين وقصائد الشعراء اهم واجمل مما وصفت وابعد مما حاولت الكتابة عنه!.
هي في مخيلاتهم وقصائدهم وكتاباتهم الالتفاتة الأجمل للماضي.. هي الملاذ الآمن الذي يحتضنهم من جفوة الآني والينبوع الأعذب الذي يرتوون منه متى ما شعروا بالعطش من حاضرهم!.. هناك في القصي من ذواكرهم والبعيد من مخيلاتهم حكايات جميلة واحداث سعيدة ومواقف راسخة يستحضرونها كلما شعروا بالخدلان في موقف آني ويلوون أعناق مواهبهم لاستنطاقها والتغزل بها.
الذكريات نقوش موسومة في وجدان أغلب الناس ومحفورة في مواهب جل المبدعين.. استحضارها يبعث بالنفس طمأنينة ويحيي آمالاً كادت ان تذبل.
كم كبير من الشعر كانت الذكرى او الذكريات وقوده الأهم وشريانه النابض.. وكم كبير من الشعراء ابدع في هذا الجانب واستنهض ذوائقنا بالجميل من الشعر والسامي من الشعور.
سلطانة السديري تمنحنا إيماءة جميلة حول الذكرى في رائعتها المعروفة التي شدا بها الراحل طلال مداح:
كم تذكـــــــرتُ سويعات الأصيل
وصدى الهمساتِ ما بين النخيل
انت في حبك..
وانا في حبي..
وارى الذكــــــــــرى دواء للعليل.
.
وتظل الذكرى دواء للعليل وغير العليل، فهي المتنفس الأنقى لدى الكثيرين من ضغوط الحاضر وازدحام احداثه وجهل المستقبل والريبة منه!.
.
.
( الإبداع الناعم )
.
الانفتاح الإعلامي والفضاء المفتوح.. ومع بداية انتشار الإنترنت وتحوله تدريجيا من مجرد ترف الى ضرورة حضر الإبداع بكل تفرعاته في فضاء هذا العالم الجديد والممتد والواسع.. في البدء كانت المنتديات الأدبية بحضورها الطاغي وجاذبيتها الشديدة ملتقى جميل للمبدعين والشاعرات والشعراء تحديدا وهم الأهم بالنسبة لي!.
المنتديات كانت الحضن الأكثر حنوا للشعراء واكثر الفرحين بها هم الشعراء الشباب الذين يبدأون خطواتهم الأولى في عالم الشعر وإثبات الوجود.. أما الشريحة الأكثر ابتهاجا وحضورا في المنتديات فهن الشاعرات اللواتي كن يخفين مواهبهن ويعانين من أجل إظهار بعض قصائدهن للمتلقي!.
من تلك المنتديات بزغ اسم اكثر من شاعرة وتعرفنا على عطاءات الكثير من الموهوبات بسبب سهولة الوصول لتلك المنتديات وسهولة النشر بها والانتشار من خلالها.
بعد التوسع في فضاء النت وظهور الفيس بوك ومن بعده تويتر وما أعقبهما من الانستقرام والسناب شات وغيرها من وسائط التواصل السريع اصبحت الشاعرة اكثر حرصا على انتشارها واستقطاب المتلقين نحو منجزها الابداعي مع الاحتفاظ بخصوصيتها.. فهي ومن أي مكان من منزلها أو خارجه تطرح قصيدتها وتتلقى ردود الفعل حول ما طرحته مباشرة ومن دون وسيط.
في هذا الفضاء الجميل عرفنا اكثر من شاعرة مبدعة بهرتنا بموهبتها ووعيها وجمال طرحها مما دفع الكثير من وسائل الإعلام لاستقطابها والاحتفاء بها.
.
.
( الوحش الذي لايرحم )
.
الوداع أو الفراق أو البين أو النوى سمّه ماشئت غول يستدرج القصي من أوجاع الشعراء والحزن العميق من مشاعرهم.
عنه يحدثنا ابن زريق البغدادي:
اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
بِالكَرخِ مِـــن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعـــــــــتُهُ وَبـــوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
صَفــــــــوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
وَأَدمُــــــــعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ
عَـــــــنّي بِفُرقَتِهِ لَـــــــــكِن أَرَقِّعُهُ
وابن زيدون أحد ضحايا هذا الموقف العصيب ونونيته الشهيرة شاخصة للعيان.. شاهدة على هول الموقف ومنها:
أضْحَى التّنائي بَديــــــــلاً عنْ تَدانِينَا،
وَنَابَ عَــــــــــــنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
إنَّ الزَمـــــــــانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا
أُنساً بِقُـــــــــــــربِهِمُ قَد عــــادَ يُبكينا
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا
بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدهــــــــــــــر آمينَا
فَانحَـــــــــــلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛
وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُــــــــــــــولاً بأيْدِينَا
وَقَدْ نَكُــــــــــــــونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا،
فاليومَ نحــــــــــــنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَـــــــــــــوَانِحُنَا
شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَــــــــــــفّتْ مآقِينَا
نَكادُ، حِـــــــــينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمــــائرُنا،
يَقضي علَينا الأسَـــــــــى لَـوْلا تأسّينَا
حَالَتْ لِفقــــــــــــدِكُمُ أيّامُنا، فغَدَتْ
سُـــــــــوداً، وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا
.
وفي الشعر الشعبي يتبادر للذهن رائعة أحمد الناصر الشايع ومنها:
هل دمعي على خــــــدي نهارالوداع
يــــــوم قالوا فمان الله جــــاني بلاي
خايف ٍ من فــــــــراق ماواره اجتماع
يالله اليـــــــــوم لاتقطع رجاه ورجاي
صرت مثل الغرير اللي بسن الرضاع
اتضّيم واصيــــــح صياح من غير راي
.
الكثير من الدموع والآهات والقصائد والكتابات استدرجها هذا الوحش الذي لايرحم!.
.
.
( ولكن حب من سكن الديارا )
.
احدهما اوكليهما بها شوق مختلف وحنين غائر!.. حيث تكون الذكريات محفورة في الذاكرة والأحداث عالقة في الوجدان لايمحوها تقادم السنين وتعاقب الأيام.
الحنين للأمكنة والديار قد يكون في بعض ملامحه جزأ من الحنين للأوطان لكن الأخير _ الحنين للوطن - اكبر واوسع واعمق.. لذلك ستكون إشارتي هنا لحنين اشخاص احبوا اماكن معينة وحنوا لها بسبب ذكريات جميلة واحداث اجمل في نظرهم!.
الكثير من قصص الحب والعشق تدور احداثها في محيط مكان محدد..
مدينة.. قرية.. هجرة.. صحراء او جبل او أي مكان أخر قريب اوبعيد عما ذكر.. الشعراء منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا ومايعقبه من سنين خلدوا اسماء الأماكن لهفة وشوقا لمن اقام بها وسكنها وليس لذاتها.
يقول قيس بن الملوح :
امـــــــر على الديار ديار ليلى
اقبل ذا الجــدار وذا الجدارا
وماحـــب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
ولزهير بن ابي سلمي مع (وادي الرس) وشم له صفة الديمومة.. كما لعنترة وعبلة و(الجواء) حكاية موغلة بالعشق والخلود حيث يقول الأخير في معلقته :
يادار عبلة بالجــــــــــواء تكلمي
وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
.
وسلسلة الشعراء في الفصيح والشعبي الذين تغنوا بالديار شوقا وهياما بمن سكنها طويلة وممتدة!.. ولعل من حسن حظ هذه الأماكن او الديار التي خلدها الشعراء في قصائدهم انها كانت مسارح لقصص واحداث وحكايات حب خالد يتوارث الأجيال الكثير من تفاصيله المستوحاة من القصائد على مر العصور.
.
.
( الحصن المهجور )
.
بعض الشعراء لا يمنح -حين كتابة نصه- اهتماماً كافياً لشريحة واسعة وهامة من المتلقين المتعطشين للشعر، حيث يوغل في الرمز ويذهب بعيداً في مفردات وصور وأفكار قصيدته عن أذهان قطاع واسع من محبي الشعر بحيث تستعصي قصيدته على إفهامهم وتتباعد عن عقولهم وتتجافى مع عواطفهم وأحاسيسهم مما يدفعهم لصرف النظر عنها والبحث عن قصيدة أخرى قريبة من فهمهم وغير عصيّة على عقولهم.
قلة من الشعراء الشعبيين الذين يكتبون القصيدة الشعبية بشكلها العمودي المعروف وكثرة من شعراء التفعيلة أو الحر ينطلقون من عوالم تبتعد عن أرض الواقع بمعايير المتلقي العادي وتتجه بوصلة قصائدهم نحو النُخب فقط مما يفقد نصوصهم تأثيرها لدى قطاعات واسعة من الناس المُحبة للشعر البعيد عن التعقيد الشديد والطلسمة المبهة!.
في ظني أن من أهم واجبات الشاعر أن يترك للمتلقي العاشق للشعر منافذ متاحة يلج من خلالها على فضاءات نصه وبالتالي تحفزه للإبحار والمغامرة من أجل فهم بقية النص لأن النص المُغلق هو حصن مهجور لا يسبر أغواره ويعرف موجوداته ودواخله إلا من صممه وسكن فيه أوعاش في حصن مشابها له!.
لست من دعاة العادية في الشعر ولاإبتذاله من أجل أن يفهمه كل إنسان محب الشعر وكارهه!.. لكني منحاز لكل شاعر واع يمنح المتلقي بعض مفاتيح نصه أو يدله على بعض منافذه من أجل أن يشاركه عملية الإبحار والدهشة داخل النص وبالتالي فهمه.. أو فهم الكثير من مكوناته الفنية والإبداعية.. كما أنني لست مع النص الشعبي المغلق الموجه للنخبة رغم شكي بفهم الكثير منهم له!.
.
.
( فاكهة الشتاء )
.
يوشك ان يودعنا فصل الصيف ونستقبل بواكير فصل الشتاء بكل جماله وقسوته!.. بوحه وجروحه!.. الشتاء الفصل المحبوب للكثيرين حسب علمي!.
من مميزات فصل الشتاء وميزاته كثيرة (شبّة النار) وحولها (المعاميل) من دلال القهوة وأباريق الشاي وأحاديث السمّار الكثيرة والشجية والمتشعبة!.. وشبّة النار رغم متعتها المحلية في الشتاء في المملكة ودول الخليج إلا أنها ذات ألق عالمي عند هجوم البرد واشتداده.. والدفء هو المطلب!.. ولكل أمة خصائصها ومزاياها!.
شبّة النار مُلهم ثري لقرائح الشعراء ودفء يشع من قصائدهم وإيحاء يوقظ خيالاتهم.
وعن شبة النار وأجوائها كتب الكثير من الشعراء أبدع بعضهم في رسم الصورة وتجسيد الحالة ونقل أجواء الجلسة وإيحاءاتها إلى المتلقي بأسلوب جاذب وتصوير بديع.
من أشهر قصائد شبّة النار قصيدة دغيّم الظلماوي.. حيث يقول في مطلعها:
ياكليب شـب النار .. ياكليب شبه
عليك شبه والحطــب لك يجــابي
وعلي أنا ياكليب هيله ... وحــــبه
وعليك تقليط الـــــــدلال العذابي
وادغث لها يا كليب من سمر جبه
وشبه إلى منه غـــــفا كل هــــابي
باغ إلى شبيتها ..... بالمشــــــــبه
تجـــــــــــذب لنا ربــع سراةٍ غيابي
بنسرية ياكليب صــــــلف مـــــهبه
متكتفين وســــــــــوقهم بالعقابي
سراة ليل وناطـــــــــــــحين مهبه
لا نسنست يا كـــــــن به سم دابي
.
تصوير يتجاوز شبة النار والدلال والقهوة إلى تجسيد رائع للحالة وكرم متناهٍ رغم قسوة برد الشتاء على المسافرين والقاطنين.
.
.
( الطفل المشاكس )
.
في داخل كل إنسان طفل يشاغبه ويشاكسه.. كلما تقدم العمر بالإنسان حاول خنق هذا الطفل المستقر والمستفز في أعماقه.. بل إن هناك من يحاول اغتيال هذا الطفل واقتلاعه من جذوره بكل أسف!.
الطفل القابع داخل كل فرد منا مُحرّض جميل يدعوك للبقاء على صدقك ونقائك وبياضك وبراءتك.. يحرس المساحات الخضراء في اعماقك ويدعوك لاستثمارها والعناية بها.. يحاول الحيلولة دونك ودون كل ما هو سيئ مثل النفاق والكذب والظلم والخداع وكل مشتقات القبح!.. هذا الطفل الأنيق النبيل المشاغب قد ينتصر لمبادئه وقيمه أحياناً، وقد ينهزم أمام جبروت البعض أحياناً أخرى!.. لكنه مع الأغلبية يبقى مُخاتلاً يهاجمك لحظة ضعفك حين تكون وجهاً لوجه مع ضميرك.. يكشف لك فداحة فاتورة التنازلات التي قدمتها والطرقات المعوجة التي سلكتها.. يستعرض لك عدد الأقنعة التي ارتديتها ويجبرك على عملية جرد حساب مع قناعاتك وتنازلاتك!.. وحين يشعر أنك تجاوزت موقف ضعفك وتباعدت عن ضميرك ولو مؤقتاً بدون الأخذ بنصائحه لك يتوارى في الأعماق مرة أخرى!.. ليعاود الكرة في لحظة تجل أخرى!.
جل قصائد الشعراء يتولى هذا الطفل الغارق بالذكاء والشقاء نسج الجميل من كلماتها وتحديد بوصلة اخيلتها وتلوين العديد من صورها لأن المبدعين وذوي الإحساس المرهف أحب الناس إليه وأكثرهم إنصاتاً واستجابة لمشاكساته وجنونه!.
.
.
( السباحين )
.
داخل البيوت الطينية والشعبية قبل أكثر من اربعة عقود كانت سهرات الأسر عامرة في الحكايات والقصص.. وكان كبارالسن من الآباء والأمهات والأجداد والجدات يتصدرون هذه السهرات (التعاليل) ويروون ما تيسر لهم من الحكايات قبل أن ينصرف أفراد الأسرة للنوم مبكرا.. القصص أو الـ(السباحين) ومفردها سبحانية أو سبحونة حسب المنطقة التي تروى فيها.. كانت تعتمد في الكثير من تفاصيلها على الأساطير وفي أحداثها مبالغات يعرفها من سمعها وعايشها ولايخلو بعضها من قصائد شعرية تدعم أحداثها وتذكي خيال مستمعيها.. في الغالب جل المنصتين لهذه الأساطير والحكايات هم من المراهقين وصغار السن الذين يرحلون بخيالاتهم مع أحداثها ويتلهفون لتفاصيلها الكثيرة.. سطح البيت الطيني في الصيف هو المسرح الأكثر احتضانا لمثل هذه السهرات الجميلة والبسيطة والموحية.. وعندما تعجب إحدى الحكايات بعض أفراد الأسرة يطلبون من من راويها إعادتها في سهرات لاحقة ويلبي طلبهم بنفس راضية فلاهو يمل من التكرار ولاهم يملون من الاستماع !.
كانت (السباحين) ورديفها الألغار أو الأحاجي أو الحجاوي سمها ماشئت هي المتنفس والمُرفه وقاطرة الخيال التي تنقلهم بعيدا عن واقعهم.. حيث الحكايات تذكي خيالهم والأحاجي تستفز ذكاءهم من أجل العثور على حلها.
قلة من الأدباء المشتغلين في التراث الشعبي اهتموا بهذا الجانب المهم من الثقافة الشعبية ودونوا الكثير منه ويأتي في مقدمتهم الأديب عبدالكريم الجهيمان رحمه الله في مؤلفه (الأساطير الشعبية في الجزيرة العربية) كذلك لا أنسى جهد الأستاذ ابراهيم الطامي رحمه الله في مؤلفه (نزهة النفس الأديبة في القصص والحكايات العجيبة) وغيرهما ممن كان له جهدا مشكورا في هذا الجانب.
.
.
.. وبعد ..
ارجو ان تكونوا قد وجدتم المتعة والفائدة في الجزء الأول من هذا الإصدار "إمتداد" نلتقي على خير في بقية الأجزاء بمشيئة الله

تعليقات
إرسال تعليق