( إمتداد ) الجزء الثاني .. احمد الناصر الأحمد
إمتداد . الجزء الثاني
احمد الناصر الأحمد
.
( الأغنية المُحتشمة )!!
.
قبل ثلاثة عقود تقريبا عٌرف وانتشر مايسمى بالنشيد الإسلامي وكان محكوما بضوابط صارمة ومعايير قوية - من حيث الكلمة واللحن - يصعب على أي منشد تجاوزها أو القفز فوقها.. كانت ألحان الأناشيد الإسلامية في بدايتها جديدة ومبتكرة وخالية من المؤثرات تماما سوا بعض المؤثرات البشرية الخفيفة التي لاتدركها إلا الأذن المتخصصة! كما أن قصائد الأناشيد تٌختار بعناية وهي في الغالب قصائد حماسية ووعظية تتناول قضايا الدين والأمة وتكرّس بعض القيم والأخلاق الفاضلة وكان الغزل مستبعدا ومنفيا عن تلك الأناشيد .. استمر حال النشيد الإسلامي على هذا النسق سنوات وبرز له روادا صنعوا له ولهم حضورا واسعا وجماهيرية كبيرة .. بعدها بدأ النشيد يتنازل عن بعض مٌسلماته وقناعاته ودخل الى ساحته اسماء جديدة تحايلت على النسق الموجود بإدخال بعض المؤثرات البشرية أولا والطبيعية ثانيا ثم التطريبية بعد ذلك! وانفتحت على أغراض شعرية جديدة لم تكن مألوفة من قبل بما فيها الغزل!. تسارعت الخطى في هذا الفن الجديد فظهرت الشيلة او الشلّة وانتشرت بشكل واسع وتداخلت مع النشيد وأصبح الفصل بينهما صعبا لغير العارفين المتخصصين بهما..
من هنا اتسعت دوائر الأناشيد والشيلات وأصبح وجود المؤثرات بكل أشكالها وأضحى التلحين بالآلات الموسيقية أمراً طبيعياً! وأصبح الفن الشعبي ساحة مباحة لأقتباس الألحان وسرقتها! كما أضحى الغزل الحاضر الأقوى في أغلب منتجات النشيد والشيلة بعد أن كان مستبعدا في السابق ودخل في المجال متطفلون من غير اهله ولم يصمد إلا قلة من المخلصين لهذا الفن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل دون تقنين أو محاسبة!.. لقد أصبح النشيد في الكثير من أشكاله والشيلات في الغالب من نماذجها أغاني مستترة أو متحجبة أو محتشمة! الكثير منها مكرور ورديء والقليل جيد
.
.
( سعد بن جدلان )
.
رحم الله الإنسان البسيط والشاعر المحيط العميق المتفرد سعد بن جدلان الأكلبي، الذي رحل عن دنيانا إلى دار الخلود. ابن جدلان شاعر مختلف بجزالة شعره، وعمق طرحه، وسمو أفكاره، وتميُّز عطاءاته وتفردها.
رحل سعد بن جدلان بعد أن ترك لمحبي الشعر الشعبي إرثًا عظيمًا من القصائد الخالدة العامرة بالحكمة والمتفردة بالأسلوب والتناول:
.
ودنا بالطيب بس الدهر جحاد طيب
كل ما تخلص مع الناس كنك تغشها
يدك لامدت وفا لاتحرى وش تجيب
كان جاتك سالمه حـب يدك وخشها
.
جل قصائد الراحل تستحق التوقف عندها، واستنطاق الجمال الفني المكتنز فيها، والصور والمعاني التي تتحلى بها أبياتها.. وهو جهد يغري النقاد للسفر في دروب الجمال والإبداع:
.
تغانموا الأوقات والوقت مــوقوت
الوقــــت مثل الظــل والظل مايل
ياللي تخطط لك مشاريــــع وبيوت
في طاعــة المعبود كيف أنت قايل
نسيت بيت الآخـــرة وأنت مبهوت
ما عاد تنفعك الحـــــــيل والتحايل
النصح واجب قبل لا يفوتك الفوت
النار يا مسكين تعـــــمل عمــــايل
قلته وأنا مقصر لكن برفع الصـوت
ياللي تبون الفــــــــوز والشك زايل
الفوز والله توبة تسبق المــــــــوت
قبل الوداع وقبل شـــــــد الرحايل
.
ومن زلال نهر الحكمة والجزالة يملأ دلاءه ليروينا إبداعًا وتميزًا:
.
الا يا الله ياللي تحـت هيبـة سلطنتـك اسلمـت
لك المسلم يسبح لك بحمـدك ولـك الإسلامـي
أحمدك وأشكرك وأثني عليك بما علـي أنعمـت
تزودني وفا قـدر العشيـر ووصـل الأرحامـي
ولهتك يالنديم اللي على صافي وفـاك اضرمـت
بصفحة ذكريات العام واللـي مـن ورا العامـي
بعد تقرير مشوار التجـارب نجحـك واجزمـت
بان السيف سيفي والعصـا والمحـزم احزامـي
.
قلائد بن جدلان الإبداعية أكثر وأشمل من أن أحيط بها أو ببعضها هنا.. يكفي سعد أنه عاش إنسانًا رائعًا نقيًّا وشاعرًا متفردًا، ورحل كذلك.
.
.
( اليتيم واليتيمة )
.
الإبداع عموماً والشعر تحديداً لا يُقاس بالكم أبداً بل بالكيف.
كم من شاعر يمتلك نصف موهبة أو أكثر أغدق على من يعرف ومن لا يعرف بسيل من القصائد كانت نهايتها مرتبطة في آخر قافية قالها أو كتبها ثم ماتت بعد ذلك!.
سبق أن كتبت هنا عن الشعراء الذين يكتبون في كل شيء وعن أي شيء وكأن الشعر مطية مطيعة أليفة يوجهونها حيثما شاءوا.. متى ما أرادوا!.
الشاعر المكثار قصائده قصيرة العمر في الوجدان الشعبي.. وحين تكون هشة المبنى والمعنى فأظنها بلا عمر أصلاً!.
هذه المرة سأكتب بإيجاز عن شعراء أفذاذ استطاعوا بأقل الأبيات أو القصائد تسجيل أسمائهم في سفر الخلود وذاكرة الأجيال.. هؤلاء رغم قلتهم ليسوا شعراء الكيف فقط بل هم جوهر هذه الشريحة من الشعراء النوابغ المقلين بالكم والمدهشين بالكيف.
نوادر من الشعراء والشاعرات في الشعر الشعبي غادروا دنيانا إلى دار الخلود وتركوا لنا وللأجيال القادمة قصيدة يتيمة أو أبيات معدودة أو حتى بيت يتيم نتيجة ظرف أو موقف أو حادثة غارقة بالوجع والصدق.. فانشغلنا بما تركوا لنا - على قلته - حفظاً وتداولاً واستشهاداً، واستغنينا به عن الكثير من المتشابه والمستنسخ المحيط بنا من كل وسيلة إعلامية!. أسماء هؤلاء المتفردين النوابغ قلة.. ولعل الشاعرة نورة الحوشان وقصيدتها المعروفة التي منها هذا البيت الشهير:
.
اللي يبينا عيّت النفس تبغيه
واللي نبي عيا البخت لا يجيبه
أنموذج جلي يجسد عمق وصدق عطاءات هؤلاء ويؤكد أن الخلود لا يهتم بكم قلت من قصيدة.. بل ماذا قلت.. هذه الحقيقة يجهلها أو يتجاهلها الكثيرون.
.
.
( ليلة مولدي )
.
القبض على ومضة الدهشة الخفية.. واستنبات الفكرة المتفردة من تربة خاصة وتحت ظل فكر ووعي خاص بعيداً عن غابات المتشابه من أهم مقومات الشاعر الحقيقي.
إبراهيم السمحان واقتناص - ولا أروع - لنقطة الصفر.. الصرخة الأولى للإنسان في هذه الحياة.. السمحان هنا يتجلّى في تخيّل جميل لليلة مولده بكل ما فيها من ألق وقلق وترقب وفرح في قصيدة متفرّدة ومتجليّة.
(ليلة مولدي) نص يحتاج لقراءة متعمقة وسبر أغوار.. نص انطلق من ليلة الميلاد إلى ما بعدها في رؤى تخيلية فيها عمق ووعي وحكمة واستشراف.
يقول. إبراهيم:
تخيلت ليلة مــــولدي واحتدام الطلق
دموعي دموع أمي فرح ناس هنوا بي
بكا جدتي مع حمدها الله لحسن الخلق
تعاويذها يوم ادخــلت جسمي بثوبي
صراع الأسامي حيرة الوالد اسحب والق
على كيف يختار الاسم تسكب دروبي
شعوري بروح العاطفة غردت بالحلق
وعمر الزهر يرعى على واحة صوبي
- هنا لوحة أخاذة لنقطة البدء بكل ما فيها من تآلفات وتناقضات.. سكون واحتدام.
ويستمرالرصد الواعي.. والهطول الإبداعي والاستشراف الإنساني متدفقاً، حيث يقول:
وكان الزمن لا هو عبوس ولا هو طلق
وانا كنت ازايـــم مشرق اللون لغروبي
الاشيا الجميله نظرة الخلق نحو الخلق
وتصديقي بعجـــزي بزوغ اول هروبي
تخيلت واحــــــلام الطفوله خيول بلق
تثير اهتمامات الدمـــى داخل جيوبي
وحلبت الحياة شطور..جادت بضيقة خلق
حلبته سحابه ما مــــلا وبلها كـــوبي
- في اعتقادي أن هذه القصيدة متفرّدة الفكرة مُشبعة بالأحاسيس المضطرمة والصادقة وقبل ذلك وبعده معبأة بالشعر الإنساني الجميل الذي نبحث عنه ولانجده إلا نادراً.
.
.
( وهم الاعتزال )
.
نسمع أو نقرأ أحياناً أن الشاعر فلان اعتزل قول الشعر أوكتابته وأنه قطع صلته بهذا الفن الذي أحبه وعشقه وأفنى جلَّ عمره أو جزءاً كبيراً منه فيه ومعه وله.. وأن كل ما يربطه بالشعر قد انتهى!.. هكذا نسمع أو نقرأ أحياناً.
الشعر في رأيي ورأي الكثيرين موهبة في الأساس تطورها عدة عوامل مساعدة وتحد منها عوامل أخرى.. هذه الموهبة يمنحها الله أشخاصاً لحكمة يدركها، فهناك من يستخدمها بشكل إيجابي وهناك العكس.
واعتزال الشعر ونزع هذه الموهبة من جذورها وطمسها من أعماق الشاعر أمر لا يصدقه العقل ويرفضه المنطق.
أعلم أن هناك شعراء توقفوا عن كتابة وقول الشعر أمام الناس وفي المنابر لأسباب تخصهم وقناعات قد نتفق أو نختلف معها.. لكن الشعر يتسرّب كالضوء الخافت من تصرفاتهم وفي بعض كلامهم.. كما أن هناك من اعتزل الشعر علناً وظل يمارسه سراً داخل دوائر محدودة لقناعات تخصه كذلك!.. وهناك من حوّل نهجه في الشعر من أغراض كان يطرقها إلى أغراض أخرى وفق تغيّر قناعات وتحوّل مفاهيم لديه!
أما اجتثاث الشعر من أعماق الشعر وطمسه بشكل نهائي فهو المستحيل بعينه.
.
.
( الصدى )
.
هناك من يمارس نقل هش مهزوز لأفكار أو صور أو حتى قواف وأوزان شاعر أو أكثر تم التأثر به!.
كل شاعر تذوب ذائقته في ضوء شاعر آخر سينساق خلفه من حيث يدري أو لا يدري! حيث سيصبح مرآة مشوهة لقصائد هذا الآخر.
نفتقد مواهب شعرية كثيرة جرفها الضوء وحرفها الانسياق خلف شاعر مُسوّق إعلامياً فسارت هذه الموهبة خلفه وحاولت تقليده فأضاعت خصوصيتها وتميزها ولم تستطع تقليد من ركضت خلفه وبُهرت بهّ.
أقولها كثيراً وأكررها الآن.. على كل مبدع أن يكون هو دون الذوبان في إبداع آخر أو التخفي تحت ظله.. الإطلاع والاستفادة أمر مهم لكل شاعر بل مبدع والإعجاب بعطاء هذا أو ذاك أمر حتمي.. لكن الأمر السيئ هو تضخم هذا الإعجاب بحيث يطغى على موهبة الشاعر بل يلغيها أحياناً!.
بحيث يصبح الشاعر (نجاتيف) معتم لصورة جميلة ذاب في معالمها وتاه في تفاصيلها.
كن كما أنت دائماً أيها الإنسان.. أيها المبدع تحديداً.. أيها الشاعر بشكل أدق وأوضح.. كن أنت بكل جمالك وألقك.. سعتك وضيقك.. ثقافتك وخيالك وسائر مكوناتك الإنسانية والثقافية والمعرفية التي منحها الله لك.. يجب أن يكون لك بصمتك التي لا تشبه غيرك.. من حقك أن تعجب بمن شئت لكن ليس من حقك أن تقدم لنا نفسك بالشكل الذي أعجبك.. نريدك أنت مجرداً من مساحيق الإعجاب وأقنعة التشبه!.
ما أجمل أن تأتي قصائدك نتاجاً لذاتك وترجمة أمينة لخبراتك وثقافتك وفكرك وسعة خيالك وكل مكونات ذاتك الراسخة الأصيلة.
.
.
( قاتلوا من اجل الحب تنتصروا )
.
الحب كقيمة سامية وغاية جميلة هدف عظيم لكل إنسان نبيل.
الحب الحقيقي بكل أبعاده وعمقه وألقه إعصار كاسح لديه القدرة على جرف كل نتوءات الكره والحقد وردم كل مستنقعات السواد والضغينة وتنقية أعماق النفس من درن الضغائن وأشواك القبح.
الحب مارد أسطوري يأتي بلا موعد وأسباب مقنعة ويذهب كذلك.. وهو حين يأتي يملأ سماءك غيماً ومطراً ويكسو فيافيك ورداً وربيعاً.. لكن إن ذهب أحال كل أشيائك إلى خراب ورماد وأعادك حيث كنت وربما أسوأ!. الحب بمعناه الشامل الكامل ديمة كريمة تستنبت القصي من أحلامك المطمورة فتحيلها حقولاً خضراء.. وتستدرج الموجع من آلامك إلى مقابر النسيان.. أجمل ما في الحب أنه متمرد على كل التعريفات فهو يكره القولبة والأطر ويتأبى على التحديد والتعريف.
الحب طائر استثنائي تحالف مع العلو وألف التحليق.
هذه القيمة الجميلة والعالية تتعرض للتشويه وتفريغ المعاني الكبيرة داخلها بسبب كثرة المتسلقين والمنخدعين والمتوهمين.. أشياء كثيرة تنسب للحب وهو منها براء.. والحب رغم هذا التشويه العنيف والمتواصل صامد في قلوب الأنقياء الصادقين.. هو نادر هذه حقيقة لكنه موجود لمن يبحث عنه بصدق ودأب وإصرار.
الحب الحقيقي يحرّض على الطهر والنقاء ويكرّس البياض والصفاء
الحب الحقيقي حياة خالية من الأمراض والعقد والظنون السيئة.
.
.
( عطر المجالس )
.
في الماضي القريب كانت مجالس الرجال عامرة بالقصص والأشعار وكان القصيد هو عطر المجالس وترنيمة الشفاه.. جل القصائد التي كانت تقال حينها تسبقها مقدمة توضح أسباب القصيدة أو قصة ترصد أحداثها.. وكانت ذواكر الرجال المتحدثين أو الرواة الساردين مستودعات ضخمة للقصائد والقصص والأحداث.. والقصص والأحداث التي تسبق القصائد أو تعقبها يتمازج فيها الخيال بالواقع كوسيلة تشويق للمستمع، وكان المتلقون يتلهفون لمثل هذه المجالس ويتسابقون إليها ويجدون بها المتعة والفائدة.. كان مضمون تلك القصائد والقصص الرجولة والفروسية والكرم والحمية والعشق العذري العفيف.. كانت تلك المجلس في معظمها تقدم دروسا في القيم ومحاسن الأخلاق.
تلك المجالس إضافة إلى متعتها وفوائدها الأدبية والتاريخية والمعرفية كانت وسائل تسلية إيجابية لقتل الفراغ وإشعال الأنس في ليال السهر.. والملهيات وقتها كانت محدودة جدا بعكس وقتنا الحاضر، حيث تلتهم الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جل أوقات الصغار والكبار.. الآن في كل مجلس أو اجتماع أو مناسبة جل الحاضرين منكبين على جوالاتهم يتابعون البعيد وقد يتواصلون معه منعزلين عمن حولهم، فهم يحضرون بأجسادهم لكن أفكارهم وعقولهم خارج الجلسة أو الاجتماع.
أعلم يقينا ان لكل زمن ظروفه وأدواته ومعطياته الحضارية، لكني اعلم أيضاً ان صفاء النفوس ونقاء القلوب والتركيز على من معك وحولك كان اجمل وأفضل في السابق منه الآن!.
.
.
( ايها الفاتن لقد افسدت الشعراء )
.
هذا الفاتن الذي تتهافت عليه الجموع ويلتقي في رحابه الأصدقاء والمتخاصمون.. العالمون والمتعالمون.. المثقفون والمتثيقفون!.. الشعراء والمتشاعرون! وكل أطياف وشرائح المجتمع.. هذا الآسر أبو (228) حرفاً فقط لا غير بهر الناس- أغلب الناس - وسحرهم ولم يسلم منه إلا من رحم ربي.. وغواية تويتر (×) لا تقتصر على النشر فقط بل تتجاوز ذلك إلى القفز على القناعات وتخطي المسلمات.. الكثيرون في تويتر يبدأون كتابة قناعاتهم أولاً والبعض منهم يؤكد أنه لن يحيد عنها، لكنه من حيث يدري أو لا يدري ينسلخ منها شيئاً فشيئاً ليذوب في قناعات من حوله ورغبات متابعيه أمام إغراء تضخم رقم من يتابعه.. يسابق الزمن لجذب المتابعين يكتب ما يرضيهم أحياناً وما يستفزهم أحياناً وفي داخله وحش جائع يصرخ تابعوني، أريد أن أفاخر بكم وما علم وهو يتخلى عن قناعاته ومبادئه من اجل هذا السراب انه يطارد وهماً.. أما من يرفع أعداد متابعيه بشراء متابعين وهميين فهو أسوأ حالاً واشد إفلاساً.
اكثر الأدباء والشعراء والمثقفين ساروا مع الركب وانساقوا لغواية الضوء المخادع وتورموا بما يظنونه عافية وتورطوا بارتكاب ما كانوا يصنفونه خطأ.. كل هذا معلوم لمن يرصد المشهد ويتابعه باهتمام.. لكن جناية تويتر على الشعراء.. اقصد الشعراء الشعبيين وأنا أحدهم هو حرمان المتلقي من قصائدهم التي لا تأتي إلا نادراً وان جاءت فهي مجزأة على أكثر من تغريدة بحكم محدودية الحرف عند الفاتن الدكتاتور!.
في تويتر فقدنا القصائد وأصبحنا أسرى الأبيات والمقطوعات.. تويتر هل تعلم أنك أفسدت الكثير من الشعراء والأدباء والمثقفين.. أظنك تعلم..!!؟
.
.
( عبدالله الثميري )
.
الأستاذ الشاعر الكبير والإعلامي المميز عبدالله الثميري -رحمه الله وجميع موتى المسلمين.. له فضل كبير وأيادٍ طولى على ساحة الشعر الشعبي السعودي والخليجي.. أبا نبيل كان شاعرا ًمبدعاً جزلاً حين يكتب القصيدة في أي غرض شعري يطرقه.. وكان له بصمته الخاصة في كل الأغراض التي تناولها في شعره.. كما أنه أجاد في فن الفكاهة والسخرية وله قصائد فارقة في هذا الجانب.. مسيرة الثميري الشعرية طويلة وعميقة ومتنوعة ويصعب الإحاطة بها في عجالة بل تحتاج إلى رصد واستقصاء وقراءة وتحليل.
أما مسيرة الأستاذ عبدالله الثميري الصحفية فهي طويلة ورائدة ومؤثرة بدأت في التسعينات الهجرية من القرن الماضي من خلال (تراث الجزيرة الشعبي) وهما صفحتان أسبوعيتان تصدران من هذا الصرح الإعلامي الشامخ جريدة الجزيرة.. وكانتا ذات تأثير واسع ومتابعة كبيرة من شرائح عريضة من المجتمع ناهيك عن متابعة الشعراء والمهتمين والمتذوقين لما يطرح فيهما من مادة مميزة وغنية.. على المستوى الشخصي أدين للراحل الغالي أبا نبيل بالكثير من الفضل فمن خلال صفحاته - دون سابق معرفة شخصية - بدأت مسيرتي مع النشر في قصائد وطنية واجتماعية، وقد وجدت منه كل حفاوة وترحيب، وكانت أول قصيدة نشرها لي (أنا أهبك بس يبغى هلاوة) عام 1401هـ، وهي قصيدة اجتماعية تتحدث عن تأثير الخادمات على الأطفال عند إنشغال الآباء والأمهات عنهم.
كثيرون غيري دعمهم الثميري وأخذ بيدهم وشجعهم رحمه الله.. والثميري إضافة لدعمه للشعراء والكتاب كان يقدم صفحات حية نابضة في القضايا الأدبية كما خاض العديد من السجالات التي تدور حول الشعر والشعراء والأدب الشعبي عموماً، وكان قوي الحجة مقنع لخصومه ومتابعيه بالدليل الذي يثبت صحة رأيه وصدقية طرحه.
رحم الله الفقيد الغالي وغفر له وجميع اموات المسلمين.
.
.
( الغش الأدبي )
.
شريحة كبيرة من الأدباء والشعراء والنقاد على وجه الخصوص.. تحتكم إلى ذائقتها الخاصة عند تقييم القصيدة -أي قصيدة- فكل نص ينسجم مع ذائقة أحدهم ويتمحور حول قناعاته وثقافته وأدواته الأدبية والنقدية -المقولبة- ومكوناته المعرفية المحدودة ومخزونه الثقافي هو نص إبداعيٌ يوشح جلباب المديح والثناء ويسوق كأنموذج يجب اقتفاء أثره والاقتداء به!.. وكل نص يخرج عن دائرة ذائقة أحدهم وجميع ما ذكر من مكوناته المعرفية وتراكمه الثقافي هو نص هش ضعيف ينبغي نفيه عن الذائقة.. أما النص الذي يخالف ذائقة أحدهم فهو نص مجاف للشعر أصلاً! خارج من دائرته جزاؤه النفي من عوالم الشعر وفضاءات الإبداع!!.
الذائقة الأحادية الخاصة المتكونة من القراءات والخبرات المحدودة وتحوير الأدوات وضيق الرؤية وعدم والقدرة على الفرز والتقييم الجيد والمنصف بعيداً عن الأنا ومؤثراتها – هذا الغول الذي يتدثر بالعاطفة ويصغي كثيراً لحديث الذات ويتأثر به.. هذا الغول معضلة الكثير من النقاد والعديد من الشعراء!.. بسببه ظُلمت الكثير من القصائد بل ظلم الشعر ذاته!.. وبسببه كذلك روج للكثير من القصائد الهشة والضعيفة وقدمت لذائقة المتلقي على أنها القدوة والنموذج المحتذى! والمؤسف أن البعض صدق ما روج له وخدع به!!.
.
.
( طواحين الهواء! )
.
كوكبة من الشعراء المبدعين والشاعرات المتألقات نأت بنفسها عن الانجراف خلف بريق زائف وشهرة كاذبة وركض محموم نحو السراب وذلك بثباتها عند موهبتها الأصل ورسالتها الأهم الشعر والأدب حيث رفضت بل لعلها كرهت الانسياق خلف القطيع والهرولة الجمعية في مواقع التواصل الاجتماعي بكل انساقها المعروفة بالكتابة (بأي شيء وعن أي شيء)!!.
هذه الكوكبة المميزة من الرائعين والرائعات تستحق التحية لصمودها الواعي وثباتها الجميل وإخلاصها الفذ لموهبتها وتخصصها بالذي تحب وتعرف وعزوفها عما لا تعرف وعملها هذا عين الحكمة والعقل والوفاء للموهبة.
.
.
( هل انتهى دور الراوي )؟!
.
قبل انتشار التعليم وحين كانت الأمية تضرب اطنابها بين افراد المجتمع وقتها كان الناس بالكاد يجدون من (يفك الخط) وكان الحفّاظ هم اكثر الناس قبولا وترحيبا عند الناس لكون ذواكرهم هي المستودع الضخم والوحيد للمعلومات والأحداث والقصص والوقائع.. كان الحفاظ فيهم الأمي ومحدود التعليم وكانوا يتقاسمون الاختصاصات فهذا حافظ متخصص بالأنساب وهذا متخصص في بعض أمور الدين وثالث اختصاصه الأحداث والحروب ورابع متخصص بالفلك والأهلة والفصول.. وكان الناس يلجأؤن لكل حافظ حسب حاجتهم لتخصصه.. في مجال الأدب والشعر كان للحفاظ القدح المٌعلى والنصيب الأوفر.. وكان لحفاظ الأدب والشعر وفي مقدمتهم (الرواة) مكانة خاصة في نفوس الجميع وحضوة خاصة في المجالس والمسامرات كانوا المٌقدمين والمٌهتم بهم والمٌصغى اليهم.
اختلف الزمن وانتشر التعليم وتقلصت الأمية وأصبح أمر التدوين سهلا وفي متناول الجميع وظل الكثير من الحفاظ والرواة يحتفظون بالكثير من جاذبيتهم رغم تقلص أهميتهم وتراجع دورهم.. لكن مع ظهور الإنترنت وما تبعه من تطور وتتابع في وسائل المعرفة والتواصل أصبح الإنترنت هو المستودع الأضخم للمعلومة والمؤشر الأهم للمعرفة.. والراوي الأكثر حفظا وتنوعا وأصبح (جوجل) يستقبل كل دقيقة بل كل جزء من الثانية معلومة او حادثة جديدة ويجود بها برحابة صدر واريحية متناهية لكل من يبحث عنها.. الكثير مما في صدور وذواكر الرواة والحفاظ تم إفراغه كتابة او صوتا وصورا في لجة هذا المحيط اللامتناه المسمى جوجل!.
من المؤكد أن دور الرواة قد تلاشى او هو في الطريق للتلاشي!.
.
.
( بقية النص مفقود )!!
.
في زمن الطيبين -كما يسميه الكثيرون- الذي أفتخر بانتسابي إليه ومعايشتي وحنيني له، ومع بداية ظهور الجوالات أو الهواتف النقالة ودهشة الناس بهذه التقنية الجديدة وفرحتهم بها رغم تواضعها وبساطتها مقارنة بما جاء بعدها والتندر بها لاحقا قياسا بما سيأتي به المستقبل! والله أعلم.
مع بداية خدمة الهاتف النقال وحين تراجع سعره بحيث أصبحت تكلفته في متناول الإنسان العادي وامتلاكه أمرا ممكنا لمحدودي الدخل حينها تعلق الناس أغلب الناس به بعد أن تعودوا عليه!.. ثم تعلقوا أكثر برسائله النصية القصيرة (إس.إم.إس)! حيث أصبح الشِعر والحكم والنكات هي المادة الأكثر رواجاً بين المتراسلين من أجل صناعة البهجة وغرس الثقافة وتكريس التواصل.. واذكر جيداً كيف كان جوالي الرهيب!..
يستقبل أبيات الحكمة والنصح والغزل من جميع الأصدقاء، شعراء وغير شعراء، وكم كانت سعادتي كبيرة بكل ما يصلني منهم وكنت متوثباً للرد الفوري على كل رسالة تصل منهم بكل حب وشوق وحماس!..
واذكر -ويذكر الكثيرون منكم- كيف كانت تصل بعض الرسائل ناقصة لمحدودية الحروف وضعف التقنية في وقتها وكيف كانت تصدمنا وتضحكنا العبارة الشهيرة التي تصافحنا في آخر بعض الرسائل الطويلة (بقية النص مفقود)!! لنردد (يا ليل ما أطولك)!!
في ذلك الوقت كانت الرسائل بسيطة ومحدودة في محتواها وتقنيتها لكنها كانت مليئة بالأحاسيس الصادقة والمشاعر الجياشة.. كانت مبهجة للجميع.. الآن اختلف الوضع كثيرا وتعددت أقنية التواصل كتابة وصوتا وصورة ولم يعد لعبارة (بقية النص مفقود) موقع من الإعراب!..
لكن البهجة تضاءلت ولم يعد للرسائل حرارتها واشتياقها حيث قلصت القروبات وبقية وسائط التواصل الجديدة كثيرا من بساطتنا وعفويتنا وأضعفت كثيرا من فرحتنا الصادقة أو هكذا أظن!!
.
.
( السحابة الغامضة! )
.
مثل السحابة حين تتشكّل من بخار الماء/ البحر ثم تتصاعد بفعل الحرارة نحو السماء تتكثّف.. تجتمع تعود - بإرادة الله - نحو الأرض مطرا عذبا زلالا.. عملية تشكّل القصيدة في وجدان الشاعر ونشوءها واكتمالها تشبه إلى حد كبير تمرحل نشوء السحابة حتى تمطر.. اشعر أن العمليتين متشابهتان او قريبتان من بعض.. قلت: اشعر..!.
إذا كان المختصون والخبراء في علوم الطقس والمناخ قد استطاعوا دراسة ورصد تمرحل السحابة من النشئة حتى الهطول! فإن النقاد والمشتغلين في الأدب قد وقفوا عاجزين عن التحليل الدقيق والصائب والمقنع لتمرحل القصيدة في وجدان ومخيلة الشاعر منذ النشئة حتى الهطول!.
كل ماقيل ودوّن عن هذه العملية المعقدة - نشأة القصيدة وتمرحلها - هو مجرد اجتهادات تتعامل مع الشكل وتتوجس او تعجز عن الولوج للداخل بما فيها مقارنتي السابقة!.
نعم كل ما قيل هو اجتهادات وتخرصات ومحاولات تظنها للوهلة الأولى قد شخصّت الحالة وقبضت على سرها وأحاطت بمكوناتها لكنك تكتشف لاحقا انها مجرد محاولات تقنع محدودي الفهم الذين يقفون عند سطح الشعر ويكتفون بالفرجة على ساحله! دون أن تقنع سواهم!.
إن الغوص في عمق الحالة الشعرية ومحاولة استنطاق كنهها وتعريفها بشكل صحيح وكامل ومقنع وثابت ضرب من المستحيل ترومه الإجتهادات ولاتصل إليه!.
.
.
.. وبعد ..
ارجو ان تكونوا قد وجدتم المتعة والفائدة في الجزء الثاني من هذا الإصدار "إمتداد" نلتقي على خير في الجزء الثالث بمشيئة الله.

تعليقات
إرسال تعليق